مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
 

 

 

 
الصحة النفسية

 

     رسالة المجمع
   الدخول والزيارات
    موضوعات اجتماعية
    إدارة التغذية
    أقسام مجمع الأمل
   مقالات علميـــة
    إدارة التدريب
    البرامج العلاجية
    البرامج الوقائية



نسخة سهلة للطباعة
 

سجن أم إصلاح

السجن في تاريخ البشرية مستخدم منذ الأزل، وحيث إن حرية الإنسان هي نعمة من نعم الله عليه، وحيث إن الإنسان اجتماعي بطبعه،فان تقييد هذه الحرية ومنع الإنسان من الاختلاط ببقية البشر كانت ولا تزال من اشد العقوبات التي تستخدم ضد الخارجين على القانون ،وإذا تحدثنا عن القانون فإننا نتحدث عما اتفق عليه مجموعة من البشر من أنظمة وحدود جعلوها دستوراً يحكمهم، وهذه قد تكون شريعة إلهية منزلة، أو قانوناً وضعياً من اختراع المنظرين لهذا الشعب أو أحياناً أعرافاً اجتماعية تعارف عليها أبناء هذه المجموعة بمرور الأجيال.

 ولا شك أن للسجن فوائد عديدة منها أن يختلي الإنسان بنفسه ،وان يراجع حساباته ،وان يعترف - بينه وبين نفسه - بأخطائه، وان يراجع مسار حياته، ويجدد طموحاته وأحلامه وآماله، ويعيد ترتيب الأولويات التي كانت قد اختلطت عليه أثناء حياته ومخالطته معترك الحياة مما جعله يقدم للحصول على بعض المكاسب أو تحقيق الرغبات على التفكير في العواقب والنظر إلى ما يأتي بعدها.

ولكي تتحقق هذه الفوائد لابد من توفير الجو الملائم لها داخل السجن، فيجب أن يكون هناك فرصة للسجين أن يعيش هذه العزلة الشعورية عن العالم الخارجي ،وان يختلي بنفسه ولو لبعض الوقت،ولو على المستوى العقلي والذهني ،ولو بشكل غير مباشر ، وهذا قد يتحقق من خلال الصلاة والخشوع فيها،المحاضرات والدروس الدينية والتثقيفية التي تهدف إلى تحفيز العمل الذهني والتفكير إلى تحريك المشاعر والأحاسيس .

كما يمكن تحقيق ذلك من خلال الجلسات الفردية أو على شكل مجموعات صغيرة مع أصحاب التخصص أو الخبرة في هذا المجال.

المشكلة أن كل هذه الأمور يسهل تحقيقها داخل السجون الانفرادية ،ولكن تقل فرص توفرها في السجون الجماعية .وذلك أن السجن الجماعي سرعان ما يتكون داخله وبين أفراده مجتمع خاص له أعرافه وتقاليده .فيه الرئيس ،والمرؤوس، فيه،واجبات ومحظورات ،وله قوانينه الخاصة به، والتي غالباً ما تعتمد على مبدأ القوة البدنية أو قوة الشخصية أو قوة التفكير – وبناء على ذلك يكون هناك رئيس وحاشية، ومقربون ومنبوذون – وعلية القوم وعامة الشعب،وكل ذلك طبيعي أن يحدث تحت سقف واحد ولمدة طويلة من الزمن وذلك نتيجة ديناميكيات التفاعل بين أفراد المجموعة (Group Dynamic ) وانتقال العرف الاجتماعي من خلال اللاوعي الجمعي (Collective Unconscious ) من المجموعة القديمة إلى أي فرد جديد ينضم إلى المجموعة .فنجد أن مثل هذه الأعراف والتقاليد تنتقل من جيل إلى جيل أخر بشكل اتوماتيكي ويضطر أي سجين جديد ،دخيل على المجموعة (المتجانسة)أن يبحث عن مكان داخل هذه الجماعة ،إذا إن الإنسان الطبيعي اجتماعي بطبعة ، ويصعب عليه أن يعيش داخل مجموعة من البشر بدون أن يختلط بهم، وإن حاول أن ينعزل عنهم شعورياً فإنه يحتاج إلى جهد كبير وغالباً ما يضطر في النهاية إلى أن يستسلم ولو بشكل جزئي ويقر بهيمنه الجماعة والعرف الاجتماعي بينهم على النمط السائد للحياة داخل السجن.وبما انه يعيش بين تلك المجموعة فإنه سيضطر إلى مجاراتهم في البداية على الأقل ومع الوقت ومرور الزمن ، واحتكاكه من أفراد الجماعة ، وحاجته إلى التعرف إلى بعض الأشخاص يبدأ برسم صورة خاصة به داخل المجموعة واخذ وضعه الخاص بين أفراها ، أما من خلال علمية (Modelin) أو من خلال فرض الذات (Assertiveness ) أو الواقع المفروض عليه.

الحل يمكن في أن يكون هناك نظام داخل السجن ،يبدأ من وعي إدارة السجن بهذه المشكلة وأبعادها وإضرارها ،ثم أن يكون هناك آلية التعامل مع السجين منذ بداية دخوله تهدف إلى توعيته بالبيئة الجديدة التي سيواجهها وكيف يتعامل معها وكيف يحمي نفسه وأفكاره منها وأن يكون هناك نظام لكشف ما قد يكون من علاقات غير صحية داخل المجموعة منذ البداية ووضع عقاب رادع لوأدها قبل أن تتفشى ،ويتعلم بذلك بقيه أفراد المجموعة أما مثل هذه التصرفات أو محاولة فرض الهيمنة أو السيطرة على الآخرين بدون وجه حق هو أول ممنوع يعرض صاحبه لسوء العاقبة،كما انه يجب أن يكون هناك نظام بديل صحي وفعال يتم وضعه من قبل إدارة السجن ، ويهدف إلى تعزيز التفاعلات الايجابية داخل المجموعة، ويبرز الأفراد الذين اثبتوا تغير سلوكياتهم ونمط تفكيرهم إلى الأفضل ويضعهم كنماذج يحتذى بهم من قبل البقية.

ومع ذلك لا بد أن نعترف أن مجتمع السجن مليء بأناس لديهم اضطرابات في الشخصية .سلوكيات مرضية، واضطرابات نفسية وعاطفية .ولذلك يصعب وضع نظام يسير على الجميع ولا يخرج عليه أحد ، بل أننا سنواجه الكثير من الخارجين عن القانون والنظام .ولكن هذه هي الطريقة الوحيدة لجعل السجن(إصلاحية) ولا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس.

 

     

                                                     د. أسعد محمد صبر            
                                                  استشاري الطب النفسي          
                                              المشرف على وحدة الرعاية اللاحقة
                                               بمجمع الأمل بالرياض   
       

نشر في مجلة تواصل  عدد 3 السنة الأولى ربيع الاخر  1426هـ

 

 
 
   

 
جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل ل

مكتبة الفيديو

الدخول والزيارات 

حجز موعد بالعيادات الخارجية

 مواقع ذات علاقة

اتصل بنـا

©

جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض - إدارة الصحة الإلكترونية  2003 - 2019