مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
 

 

 

 
الصحة النفسية

 

Error processing SSI file

نسخة سهلة للطباعة

 

إستراتيجية الإقناع : بين مرارة التعاطي وحلاوة التعافي

تعمد مكافحة المخدرات إلى كثير من الطرق والأساليب التي يعتقد المسئولين أنها كفيلة بنجاح ذلك. فمن المعروف أن اقتراف جريمة المخدرات تتم عبر سلسة من المستويات. وهي: التاجر؛ فهو بمثابة المصدر الرئيس، وقد يكون شخصية اعتبارية ، أي يندرج ضمن منظمة مثل منظمات المافيا؛ فالمروّج وهو الحلقة الوسطى بين التاجر من جهة ، وبين المستعمل من جهة أخرى بوصف المستعمل يمثل نهاية السلسلة.

وتعتمد المكافحة بجميع وسائلها إلى التعامل مع كآفة الأشخاص هؤلاء ، كلّ بحسب الوسيلة التي تناسبه.فكل مستوى يستحوذ على إستراتيجية معينة للوصول إلية ، والقضاء عليه.

ويعد المدمن من أهم الأشخاص الذي يستقطب ثقلا هاماً من جهد المكافحة ، لأنه هو نهاية المراحل كلها ، كما أسلف؛ فهو المحطة النهائية التي تحط المخدرات رحالها عنده ، وهو مقصد جميع الفئات من زارع ، أو صانع ،تاجر ومروج وعليه فهو الضحية التي يتكالب كل هؤلاء لنحرها، غير ما سوف عليها . وهو الذي يقع في الخسران المبين، إذ يدفع الثمن من وجوه عديدة؛ وجه ديني، اجتماعي، وظيفي، صحي. لكل ذلك توليه المكافحة جلّ اهتمامها . وتناضل المكافحة ممثلة في منسوبيها ذكورا وإناثا ، في سبيل إعادته إلى رشده ، وحفظ عرضه ، وستر ما أمر الله بستره واختصارا، فالأهداف الواقعية التي تسوى وراء هذا الجهد أهداف كثيرة ، ولذلك تعمد المكافحة على إستراتيجية الإقناع (Persuasion Strategy ) في الخطاب الموجه إلى المدمن بوصفها الإستراتيجية الأنجح ، والطريقة الأمثل التي تحفظ حقه بوصفة شخصاً ذا اعتبارات عديدة. كما أنها تعين رجال المكافحة في إرشاده إلى الطريق القويم.

 

إستراتيجية الإقناع:

من المؤكد أن المرشد يستعمل إستراتيجية الإقناع من أجل تحقيق هدفين اثنين، هما: هدف واقعي (actual goal) ، وهدف خطابي (discourse goal) .

فالهدف الواقعي هو إقلاع المدمن عن تناول المخدرات، أي "إحداث تغيير في موقف المدمن الفكري أو العاطفي أو كليهما" . وكي يصل المرشد إلى الهدف الأول ، فلا بد أن ينجح في تحقيق الهدف الثاني،باعتباره مطيه المرشد التي تبلغ بها، ومن خلال هدفه اللاواقعي ؛ فهما بالنسبة إليه ،هدفان متلازمان ، لا ينفكا عن بعضهما البعض.

ومن أجل أن يحقق المرشد هدفه الخطابي ؛أي الإقناع ،عليه أن يعي تماماً ما يمكن أن تسميه بسياق الموقف (context of situation )  وسياق الموقف ، في أبسط صوره، هو جميع الظروف والمعطيات التي تحف بالمرشد لحظة تكوينه خطابه الإقناعي ؛ إذ يتكون من المرشد نفسه، ومن المدمن بوصفهما ركني السياق ، وعليهما تقوم حركة الخطاب الإقناعي. بالإضافة إلى الظروف الجزئية الأخرى ، مثل حالة المدمن النفسية ودرجة إدمانه وظروفه العائلية، وتركيبته البيولوجية، وعلاقاته الشخصية، وإطاراته البيئية .كما أن هناك عاملان لا يمكن إغفالهما وهما زمان الإرشاد ومكانه.

ولا تأتي المقدرة للمرشد للتعامل مع هذه العناصر وليده لحظه أو لضربة حظ بقدر ما تأتي من خلال دراسة عميقة وواعية لها، واستحضار لكافه هذه العناصر في مرحلة الإعداد والتحضير .عل المرشد يحيط بها أولاً ثم يبدأ في نسخ خطته أو إستراتيجيته ثانيا.

ولكي ندرك ماهيّة الإستراتيجية ،علينا أن نعلم أنها خطة متصلة ذات حلقات متشابكة، تتمثل في نسج الخطاب اللغوي الناتج عن إجابات مفترضة لعدة أسئلة تنثال تلقائياً على ذهن المرشد ومن هذه الأسئلة ؛ من هو المدمن ،أي ما أحواله وصفاته وظروفه التي تكتنفه في تلك اللحظات ، ومن هو المرشد في تلك اللحظة أي ما موقف المدمن منه باعتباره الشخصي وباعتباره الوظيفي ،هل هو مقتنع في عملية الإرشاد من خلال الإقناع أم أن تفكيره يتجاوزها غير آبه بها ولا معتبراً لأحوالها. هل هي المرة الأولي التي يتعرض فيها المدمن لخطاب من هذا النوع وإن كان كذلك، فإلى أي مدى وصل به الاقتناع ،لماذا ،إذن انتكس وعاد إلى سابق فعله.

ومن الأسئلة كذلك، ماذا يريد المرشد أن يصل إليه . وقد يكون من المعلوم بالضرورة أنه يريد أن يصل بالمدمن إلى برّ الأمان من خلال إقناعه بالكف من تعاطي المخدرات . وبالرغم من بداهة ذلك، إلا أن حالة المدمن قد تفرض على المرشد أن يحدد له بعدا مرحلياً قد يكتفي به عند حدّ زمني معيّن ،لينطلق منه في المراحل اللاحقة.

ويظل السؤال الذي ينطوي على (كيف) من أهم الأسئلة ، وأكثرها طلباً للعمل، فالإجابة على هذا السؤال تنطوي بالضرورة على إجابات الأسئلة المتقدمة . وهنا تحين لحظة نثر أدوات المرشد الإقناعية ثم اختيار المناسب منها، وفق متطلبات السياق ذاته.

ويبقى السؤال ،لماذا يلجأ أو يختار المرشد إستراتيجية الإقناع دون غيرها،بالرغم من توفر غيرها من الاستراتيجيات ، مثل إستراتيجية الإكراه الماديّ، من أجل مساعدة المدمن على الإقلاع عن استعمال المخدرات . يمكن سرد بعض الأسباب هنا:

-         تأثيرها في المدمن أقوى ،ونتاجها أثبت وديمومتها أبقى؛ لأنها تنبع في النهاية من حصول الاقتناع عنده غاليا، لا يشوبها فرضّ عليه ولا إكراه.

-         تسمح بتنامي الخطاب وتطويره؛ خصوصا الخطاب الذي يقوم على استعمال الحجج الدامغة ، بطريقة تتلاءم مع الكرّ والفرّ بين الطاعة والعصيان والإقدام والإحجام الذي يمارسه كلّ من المرشد والمدمن. 

-         تسمح باستباق جميع اعتراضات المدمن ،أو تملصه أو اعتراضه ،مما يمكن المرشد من افتراض كل هذه الأمور ،ثم صياغة خطاب إقناعي يدحضها الواحدة تلو الأخرى.

 

خطاب الإقناع:

يمكن أن يتبلور خطاب الإقناع من خلال مسارين عامين،كلاهما متاح للمرشد . وهذان المساران هما: مسار الإقناع بالخطاب (العلاماتي) غير اللغوي، ومسار الإقناع اللغوي . ويمكن أن يستعمل كل منهما على حدة، فيكتفى بأحدهما دون الأخر كما يمكن المزج بينهما.

 

خطاب العلاماتي:

كل ما ينتجه المرشد يعدّ خطابا، فهو يصدر عنه ليفهم المدمن شيئاً .

وهذا كاف لإطلاق مصطلح خطاب عليه، بغض النظر عن التصور التقليدي للخطاب الذي قد ينحصر عند البعض في السار اللفظي.

يستطيع المرشد أن يوظف كل الأبعاد، أو العلامات في إقناع المدمن.

ومن تلك الأبعاد: الصورة المؤثرة ،اللون،الخط وغيرها كثير. وهذا ما يضطلع بدراسته وتحليله علم السيمياء أو علم العلامات (Semiotics ).

فمما لا شك فيه أن الصورة ذات تأثير قوي في إقناع المدمن بعظم جريرته وفحش عمله .من هذا المنطلق يمكن توظيفها ،فمما تعارف عليه الناس أن الصورة ابلغ من ألف كلمة وذلك لإيجازها ودلالتها دلالة مباشرة على مبتغى المرشد في خطابة ، ولما تجسده الصورة من أبعاد قد تعجز عنها اللغة الطبيعية ،مع بقائها في الذهن فهي تجلي نتائج الإدمان مثلا،وكفى بذلك واعظا وكذلك تصور أو تنقل حال الأسرة عند ضياعها مما يثير في المدمن عاطفته ويوقظ حسه ليبدأ يراجع نفسه.

وتعد صور الفيديو ، أي الصور المسجلة من أفضل الوسائل لاحتوائها على المادة التي ستجسد الواقع المرير للمدمن وكم صورة عالجت مشكلة فحلتها أو تعرضت لموضوع فأبانته للناس.

وكذلك الألوان لما ارتبطت به من دلالات معينه، فلها إيحاءاتها ولها تأثيراتها التي عرفها علماء النفس وعلماء السيميائيات مما مكنهم من حسن توظيفها خصوصاً ما ارتبط بالثقافات .فللون الأحمر ودلالاته التي فقهها عامة الناس كما أن له دلالاته الخاصة التي تظهر في سياقات خاصة ومنها سياق الإقناع .

وبعد مظهر المرشد من أهم مظاهر الخطاب العلاماتي ،وقد نص على ذلك الجاحظ في كتابيه:"البيان والتبيين،وكتاب الحيوان" عندما تحدث فيهما عن الخطيب واهم صفاته وهيئته . من هنا يتعين على المرشد أن يكون ذا هيئه مقنعة وسلوك يحتذي. إذ إن ذلك من أول بواعث الارتياح وفاتحة الباب إلى قلب المدمن وعقله.

وقد تجاوزت ذلك إلى ما يفترض أن يصاحب سلوك المرشد من حركات وسكنات مدروسة وموجهه صوب إقناع المدمن، من حركات جسد وتنغيم وصوته المصاحب لكلامه. 

 

الخطاب اللغوي:

يعتمد اختيار آليات الخطاب اللغوي وأدواته على عناصر السياق التي ذكرناها آنفا.ومن أهمها المدمن ،بما في ذلك وضعه الصحي ،وإدراكه العقلي ؛ لان كل ذلك يوجه المرشد إلى اختيار آليات بعينها ،وأدوات مخصوصة.

ويرتكز الإقناع بواسطة اللغة على بعدين، قد يتجاوران أو يفترقان.

هذان البعدان هما بعد العقل ،وبعد العاطفة .إذ يركز المرشد في البعد الأول على آلة المنطق ، وعليه فإنه يعمد إلى الحجاج اللغوي الذي يرتكز على الترتيب المنطقي، والذي يولد من الحجة تقدما في الخطاب الأقناعي ، بغض النظر عما إذا كانت الحجة مثبته لما ينحو المرشد نحوه، أم كانت مبطلة لما يقوله المدمن ؛ لان الخطاب سوف يمضي حوارياً ،بين كرّ وفرّ،وشدّ وجذب، تعال وتنازل ،قبول وردّ فليس من السهل أن يخضع المدمن للمرشد. ويسلم بجميع أقواله ،ليصل إلى درجة من الإقناع لا يعود بعدها إلى الإدمان أبداً.

 وفي هذه الحجاجية الحوارية كثيرة فائدة لكلا الطرفين ،فيه يزداد المرشد إلحاحاً وإيغالا إلى باطن المدمن وبه يزداد المدمن ثقة ويقيناً بصحة أقوال المرشد وضرورة الأخذ بها.

وينبغي للمرشد أن يدرك أن للحجاج صنفان هما الحجاج التوجيهي والحجاج التقويمي ،فالحجاج التوجيهي هو أن يقيم المرشد الدليل على الدعوى بالبناء على الحجج التي يختص بها المدمن أي التي حاول أن يدافع بها عن موقفه وقناعاته واللفظ بها، فأصبحت معلومة بيد أن المرشد يهتم وينشغل بذاته وبخطابه من حيث شكله وصياغته دون أن يلتفت إلى جانب علاقته بالمدمن.

أما الحجج التقويمي فهو حوار ضمني على رأي (إيميرن وجرو تندورست) وهو أن يقيم المرشد هنا، من ذاته ذاتاً أخرى تمثل المدمن فيتصور دعواه ويفترض حججه واعتراضاته عليه، مستبقا استفساراته . ومن ثم يعمد إلى تفنيدها وصياغة حجج يعتقد أنها ستقود المدمن إلى التسليم بما يذهب إليه وما يساعد المرشد في ذلك هو خلفيته المعرفية عن الإدمان وأحواله وما يترتب عليه أيضاً ،وكذلك معرفته بالسياق كاملا على نحو ما قدمنا.

وفيما يتعلق بالبعد العاطفي لا بد الإقرار انه قد يلجأ إليه المرشد عندما تعوزه الحيلة في استعمال البعد المنطقي ، إما لسوء حالة المدمن الصحية أو لضحالة ثقافته المعرفية التي تؤهله وترقي بفكره إلى مستوى المنطق ،أو غير ذلك من الأسباب .

ويعد التصوير والتخييل ودغدغة العواطف ومخاطبة منازع الخير من أهم مرتكزات المرشد التي يعتمد عليها في محاولة إقناع المدمن بالكف عما هو فيه . وينطلق المرشد في ذلك من المحسوسات باتجاه الغيبيات . ومن الملموسات صوب التجريديات .ومن الأمثلة على ذلك محاولة تصوير حال عائلته وما آل إليه وضعها نتيجة إدمانه ،مصوراً قسمات وجوه أطفاله وملامح زوجه، في رثّ الثياب وسوء الحال والمنقلب ،وإشهاره انه هو السبب الرئيس في كل ذلك. هذا أن كان متزوجاً أو بتخييل المستقبل له وحظه العاثر منه أن كان غير ذلك.

وللتخييل صور لغوية كثيرة ،وأساليب متنوعة يحسن بالمرشد أن يأخذ بها، وان يعد عدته منها، ومن هذه الصور اللغوية مصطلح عليه اللغويون بالمجاز، بجميع تفريعاته ،من استعارات ومجاز عقلي وكناية وتهكم.

وكذلك من خلا التراكيب اللغوية والتصويرية التي تعتمد على المعجم الواسع اعتماداً كبيراً .

نستطيع في النهاية أن نؤكد على أن المرشد يحتاج إلى سرعة بديهة تردفه في ذلك معرفة عميقة ،كي يجسدها في خطاب إقناعي ليغدو في هذه اللحظة فناناً يسوق خطابه بناء مقتضيات السياق. وهذا الأمر يحتاج إلى جدّ واجتهاد ،بالإضافة إلى الاطلاع الواسع.لأنه فارس يقاتل على ثفر من ثغور الحرب ضد نشر المخدرات.

للاستزادة والمراجعة ،نقترح العودة إلى المراجع التالية:

-         الأمين ،محمد سالم ولد محمد :مفهوم الحجاج عند بيرلمان وتطوره في البلاغة المعاصرة ،عالم الفكر،الكويت ،المجلد الثامن والعشرون ، العدد الثالث ،يناير /مارس2000م.

-         الجاحظ ، أبو عثمان عمرو بن بحر :البيان والتبين . تحقيق وشرح عبدالسلام هارون،مكتبة الخانجي،ط1405 هـ.

-         الحراصي، عبدالله :مظاهر التفاعل بين اللغة والسياق الاجتماعي ،مجلة نزوى،عمان،العدد الرابع والعشرون،رجب 1421هـ/أكتوبر 2000م.

-         حم، النقاري:حول التقنين الأرسطي لطرق الإقناع ومسالكه مفهوم "الموضع" /مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس،جامعة سيدي محمد بن عبدالله ، العدد التاسع 1987م.

-         خلاف ،محمد :الخطاب الاقناعي :الإشهار نموذجا مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، العدد التاسع ،1987م.

-         الشهري ،عبدالهادي بن ظافر : استراتيجيات الخطاب"مقاربة لغوية تداولية". دار الكتاب الجديد المتحدة بيروت،لبنان ،ط ، الأولي ،2004م.

-         عبدالرحمن ،طه:في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء، ط ، الثانية،2000م.

-         العمري ، محمد في بلاغة الخطاب الاقناعي .دار الثقافة ،الدار البيضاء ط ، الأولى ،1406هـ /1986 م.

 

المقدم ركن/عبد الهادي الشهري
كلية الملك خالد العسكرية 
   

 

 

 

 
 
شر في مجلة المكافحة العدد (42) محرم 1426 هـ
   

 
جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل ل

مكتبة الفيديو

الدخول والزيارات 

حجز موعد بالعيادات الخارجية

 مواقع ذات علاقة

اتصل بنـا

©

جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض - إدارة الصحة الإلكترونية  2003 - 2019