مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
 

 

 

 
الصحة النفسية

 

     رسالة المجمع
   الدخول والزيارات
    موضوعات اجتماعية
    إدارة التغذية
    أقسام مجمع الأمل
   مقالات علميـــة
    إدارة التدريب
    البرامج العلاجية
    البرامج الوقائية

نسخة سهلة للطباعة
 

آثار القصص البوليسية

يتضح من عنوان التحقيق أنه يتناول شقين رئيسيين هما القصة من جانب ، والمراهق من جانب آخر ، وحتى يتبين الأثر لا بد من معرفة بعض الخصائص والمميزات لطرفي المعادلة ، فالقصة أسلوب معروف منذ القدم عند مختلف الشعوب ، بل إن الشعوب تتناقل فيما بينها القصص لما تحمله من مغزى أو حكمة تصلح لتعميمها ، ولا أدل من عظم أثر القصة وأهميتها من استخدام القرآن الكريم لها كأسلوب تربوي ودعوي جاءت في وقت أزمات مرت بها الدعوة الإسلامية في بدايتها فكان لها لأثر البالغ في تثبيت المؤمنين وكذلك الرقي بهمه الملتقي وتوجيه سلوكه ..

أما من جهة المراهق ، فالمراهقة تعتبر مرحلة حرجة في حياة الإنسان لما يكتنفها من تغيرات هائلة على المستوى الجسدي ، الفكري ، الانفعالي ... ، ولعل من أبرز التغيرات النفسية والفكرية ما يعرف بأزمة الذاتية وتحديد الهوية والدور المتوقع للفرد في المستقبل ، والحقيقة أن العوامل الثقافية تعتبر أحد أهم العوامل التي تؤثر سلباً أو إيجاباً في هذه الأزمة ، وتلعب وسائل الأعلام والاتصال بين الشعوب - خاصة في طفرة الاتصال حالياً - دوراً مؤثراً في تشكيل ثقافة المجتمع وبالتالي هوية أفراده واهتماماتهم .

جانب آخر مهم ويحدث في هذا المرحلة .. أعني مرحلة المراهقة .. ألا وهو تعجل الاستقلال الذاتي من قبل المراهق واعتقاده بأنه بلغ مبلغ الرجال، وانه قادر على صياغة حياته بشكل مستقل تماماً حسب ما يراه دون اعتبار للمعايير الثقافية  السائدة في المجتمع بشكل عام، بل قد يري أن إثبات الذات يتطلب الانفلات من الضوابط ورفض القيم .

 بعد هذه اللمحة السريعة لك – أيها القارئ الكريم - أن تتصور مدى تأثير القصة على المراهق ، خاصة إذا كانت ضمن منظومة متنوعة من وسائل الإعلام كالتلفاز ،الانترنت، المذياع .......

ومما يزيد خطورة مثل هذه الوسائل أنها اختياريه فالمرء مختاراً قرأ هذه القصة أو شاهد التلفاز، ليس هذا فحسب بل أنه مستمتع بذلك ،فهل سيكون تأثير الكتاب المدرسي على سبيل المثال الذي يقرأه الطالب قسراً وبغير متعه ، مثل تأثير القصة ؟ بالطبع لا خاصة وان المراهق بطبيعته يميل إلى الشيء الذي يختاره بحريه ودون إلزام أو التزام.

علاوة على ذلك فان القـصة لا توجه لقارئها أي لـوم أو توبيـخ بشـكل مبـاشر كما يواجه المراهـق من مجتمـعه   ( الوالدين ، المدرسة ... ) وهذا مما يزيد من تعلق المراهق بها وبالتالي التأثر بمحتواها .

ولقد وجدت الدراسات إن مشاهد أو أحداث العنف التي يتلقاها الطفل أو المراهق عبر الوسائل الإعلامية المختلفة قد ولدت لديهم الشعور بالقلق والخوف الشديد ، وفي حالة وجود الخوف أو القلق لدى المراهق أصلاً فان مثل هذه القصص تُضاعِف هذه المشاعر وتزيدها سوءاً ، وعلى الجانب الأخر فقد وُجِد أن الاطلاع على القصص البوليسية وغيرها من القصص التي يمثل العنف جزءاًَ كبيراً من أحداثها وخصوصاً الإطلاع المتكرر على مثل هذه القصص ، أنه يحض الصغار على الاقتداء بالأشرار والانتقام من رفاقهم لأقل إساءة تصدر عنهم ، ولا شك أن الشجار بين الأطفال والمراهقين موجود أصلاً لكن القصص و الإعلام بشكل عام جعلته بطرق وأساليب أكثر مكراً ومكيدة وعنفاً ، والمشكلة أنها تعطي انطباعاً أن الحياة أبشع مما يرون في مجتمعهم الذي يعيشون فيه وذلك يعطي مسوغاً للمسالك العنيفة زعماً منهم أنها شأن طبيعي ومقبول ، والأمر المفزع في بعض القصص أنها تصور الأعمال الإجرامية ،بأنها فطنه ودهاء ووسيلة لتحقيق المآرب والخروج من الأزمات والمضائق بأقل تكلفة ، وهذه الهالة المثيرة التي أعطيت للمجرم تبرر ما يصدر عنه من سلوك مثل التدخين ، شرب الخمر ، الكذب .... و ترسخ لدى المراهق أن مثل هذه الأخلاق والسلوكيات مطلوبة ليكون عند رفاقه موصوفاً بالذكاء والفطنة ، وقد ينتهي الأمر عند بعض المراهقين إلى بلادة الحس والمشاعر تجاه العنف والقتل والدماء ، بل تأييد مثل هذا السلوك أحياناً.

وقد يقول قائل إن بعض القصص تنفَّر من العنف وتصور البطولة بمحاربة العنف وإقامة العدل ورد المظالم إلى أهلها ، لكن تبقى الخطورة قائمة ، فهذا البطل و الذي يقدم كشخصية مثالية لا يزال في جوانب تفكيره وسلوكه وأخلاقه يمثل بيئة مختلفة ، أضف إلى ذلك أن هذه الشخصية لا تخلو من جوانب سلبية لا تصلح للإقتداء ، لكن المشكلة أن المراهق في هذه الفترة لديه ما يعرف "بالتقمص" فيأخذ في تقليد كل ما يصدر عن الشخصية التي تقمصها ، وهذه الشخصية قد تكون حقيقية أو خيالية كشخصيات الرواية أو القصة ويحاول تقليد هذه الشخصية حتى في طريقة حركته ، وكلامه ، ولبسه ... وإن كانت مخالفة لمجتمعه ، فلا بأس- في نظر المراهق- بالتدخين و الكذب أو شرب الخمر ... لأن هذه الأمور قد يمارسها بطل القصة فهي تبرمج في ذهن المراهق بأنها من سمات البطولة ، إضافة إلى هذا كله فإن ندرة أو غياب القدوة السلوكية الصالحة في مجتمع هذا المراهق يزيد الأمر سواءً والطين بله.

كذلك فإن بعض المراهقين قد يصل إلى درجة الإدمان على هذه القصص مما يورث لديه الخمول و الكسل و الاستغراق في أحلام اليقظة وتعطيل القدرة على التفكير الإبداعي لديه .

أخيراً فإن ما تقدم هو بعض من الآثار والتي قد لا تظهر إلا بعد سنين ، وقد يكون تأثيرها على بعض النشء أكثر من بعض بحسب ظروف التنشئة و التربية ، وعلى كل حال فإن ما ذكر لا يعني بتاتاً إغفال أو تعطيل الجانب الإيجابي و الفاعل للقصة الهادفة .     

د. رياض بن عبد الله النمله
استشاري الطب النفسي   

نشر في مجلة أسرتنا جمادى الآخر 1426هـ

 


 

 

 

 
 
   

 
جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل ل

مكتبة الفيديو

الدخول والزيارات 

حجز موعد بالعيادات الخارجية

 مواقع ذات علاقة

اتصل بنـا

©

جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض - إدارة الصحة الإلكترونية  2003 - 2019