مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
 

 

 

 
الصحة النفسية

 

     رسالة المجمع
   الدخول والزيارات
    موضوعات اجتماعية
    إدارة التغذية
    أقسام مجمع الأمل
   مقالات علميـــة
    إدارة التدريب
    البرامج العلاجية
    البرامج الوقائية

نسخة سهلة للطباعة
 

الخبراء يؤگدون: المنهج النبوي في التربية
جمع بين الوقاية والعلاج!  

بالتعاون مع مركز الأمير سلمان الاجتماعي، وبتنظيم من كلية التربية، جامعة الملك سعود، وتعبيرا عن الرغبة في مد الجسور والوصول إلى كافة من يعنيهم الشأن التربوي لإفادتهم والاستفادة منهم على حد سواء.. ناقشت مجموعة من الخبراء معالم المنهج النبوي في تربية الأطفال والناشئة، وذلك من أجل مستقبل زاهر يرقى بالمجتمع والأمة لمستوى التحدي الذي يفرضه العصر بكل مكوناته وتعقيداته الثقافية والتقنية، مستقبل يتحقق فيه استخلاف الأرض وعمارتها بالصورة المثلى القائمة على العدل والطمأنينة في كل أصقاع المعمورة.. في هذا التحقيق نناقش أهم ما قيل في هذه القضية..

د. عادل الشــــدي:  

أطفالنـــــا يعيشون أزمــــة في مجــــال القـــدوة.. وحلها في إبراز سير الصالحين والعظماء في الأمة  

معالم المنهج النبوي  

في البداية يتناول الدكتور عادل الشدي، الأستاذ المساعد في قسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية، جامعة الملك سعود معالم المنهج النبوي في تربية الأطفال فيحددها على النحو التالي:

 المعلم الأول: غرس عقيدة التوحيد والتعلق بالله تعالى:

 فهذه هي المهمة الأولى لكل مرب مسلم وهي الغاية التي لأجلها خلق الله الخلق كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]، والغاية التي لأجلها بعث الرسل: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ..} [النحل: 36].

 ومن الشواهد المهمة على ذلك سؤال النبي صلى الله عليه وسلم للجارية التي أراد صاحبها أن يعتقها: (أين الله قالت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله قال: اعتقها فإنها مؤمنة)، فقد أراد صلى الله عليه وسلم أن يغرس معالم العقيدة السليمة في نفسها ويتأكد من بقاء فطرتها النقية التي فطرها الله عليها.

 لقد كان صلى الله عليه وسلم حريصا على تعلق قلوب الأطفال والناشئة بالله تعالى وحده لا شريك له، ومن أظهر دلائل ذلك قوله لابن عباس وكان غلاما صغير السن: (يا غلام إني أعلمك كلمات) فماذا كانت هذه الكلمات (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب).

 والسؤال هنا: كم منا اليوم يراعي هذا المعلم وهو يربي طفله فيغرس فيه توحيد الله تعالى وإفراده بالعبودية ويعلق قلبه بالله تعالى وحده ويحرص على المبادرة بالتربية على هذه المعاني، البعض يربي الطفل على الخوف الدائم من الجن والشياطين والمستقبل بشكل عام، البعض يربي الطفل على الخوف الدائم من الآخرين المحيطين به بدعوى قدرتهم على نفعه أو ضره والتأثير في مجريات حياته كما أن البعض يغفل قضية الإيمان بالقضاء والقدر وأن الأمور كلها بيد الله تعالى فلا يربي أبناءه عليها.

 المعلم الثاني: الاهتمام الشديد بأمر الصلاة:

 وهي قضية أهملها الكثيرون في تربية أطفالهم اليوم مع أن التوجيه التربوي النبوي يقول: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها لعشر)، وبودي أن أسأل القارئ الكريم: هل ورد الأمر بالضرب للطفل- والمقصود بطبيعة الحال الضرب غير المبرح بل ضرب التربية والتأديب - في غير هذا الموضع من السنة النبوية؟ على حسب علمي لم يرد وما ذاك إلا للتأكيد على عظم شأن الصلاة وهذا الضرب لا يأتي إلا بعد مرور ما يزيد على ألف ومائة وتسعين يوما من الأمر للطفل المميز ويتكرر الأمر بما يقارب خمسة آلاف وستمائة مرة بحسب عدد الصلوات في تلك الفترة مع رؤية الطفل لأبيه وأمه يصليان أمامه في كثير من الأحيان، ولكن ما الذي يحصل اليوم من كثير من الآباء والأمها: إهمال لأمر الصلاة والمحاسبة عليها حتى سن قد تصل إلى الرابعة عشر والخامسة عشر فيصعب عليهما تقويم الاعوجاج بعد ذلك، بل إن معظم الأمهات تنجح كثيرا في ضبط المنبه للاستيقاظ في وقت المدارس وتهتم بإيقاظ أطفالها في ذلك الوقت لكن القليل منهن من تنجح في إيقاظهم لأداء الصلاة في وقتها وهي مسؤولية مشتركة بين الوالدين.

 ثم بعد ذلك يتساءل بعض الآباء والأمهات عن أسباب انحراف الأبناء وعقوقهم وعدم توفيقهم في دراستهم، وكل هذه الأمور لها ارتباط مباشر بأداء الصلاة والمحافظة عليها، ولو أجريت دراسة علمية تربوية عن أثر الصلاة في صلاح الأبناء وتفوقهم الدراسي لظهرت نتائج موثقة تدل على ارتباط الصلاة بالفلاح والنجاح بمعناه الشامل.

 المعلم الثالث: وقايتهم من الأخطار قبل وقوعهم فيها:

 تقوم التربية النبوية للأطفال والناشئة على تقديم الوقاية على العلاج فتضع السياج الحامي بإذن الله بين الأبناء وبين الوقوع في الأخطار.

 ومن أبرز أخطائنا في التربية اليوم إهمال الجانب الوقائي وعدم الانتباه إلا حين يقع الأبناء في الخطر فنسعى إلى طلب العلاج بعد ذلك، ولو افترضنا أن أحد أبنائنا سيذهب إلى بيئة هي مظنة لانتشار أحد الأمراض المعدية بسبب الزحام وكثرة الناس فهل الأولى إعطاؤه جرعة وقائية تحميه من المرض - بإذن الله - أم الانتظار حتى يقع في المرض ثم نبدأ في علاجه؟

 في هذا السياق يمكن أن نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في حق من بلغ العاشرة من الأبناء (وفرقوا بينهم في المضاجع) وصرفه وجه الفضل بن عباس وكان ناشئا صغيرا وقد أردفه خلفه فجاءت امرأة خثعمية تسأله فأطال الفضل النظر إليها فصرف وجهه، بل إن تشريع الاستئذان للأبناء على آبائهم وأمهاتهم في ثلاثة أوقات في اليوم والليلة المذكورة في سورة النور إنما جاء لأجل وقايتهم من رؤية ما قد يكون سببا لآثار سلبية على سلوكهم وأفكارهم.

 إن حال بعضنا اليوم في تربيتهم لأبنائهم شبه قول القائل:

           ألقاه في اليم مكتوفا وقال له  إياك إياك أن تبتل بالماء

إهمال للوقاية، قنوات فضائية يشاهدها الأبناء والبنات دون ضوابط وبعضها في غاية الإسفاف والخطورة على الفكر والسلوك، تواصل كامل دون ضوابط عبر الإنترنت مع من يشاءون، هاتف جوال مفتوح في كل الأوقات دون متابعة ومراقبة فأين الاقتداء بالمنهج النبوي في التربية عن هذه الممارسات.

أنا لا أدعو إلى منع الأبناء والبنات من استخدام الهاتف الجوال مثلا، لكن لا بد من مراعاة السن والنضوج وتقييد الاتصال بأرقام محددة وعدم الاحتفاظ بالجهاز طيلة اليوم فما حاجتهم له عند النوم مثلا مع الاتفاق معهم على استعراض المكالمات والرسائل للاطمئنان عليهم كل فترة.

كما أنني لا أدعو إلى منع الأبناء والبنات من الاستفادة من الإنترنت مثلا، بل وحتى استخدامه للتسلية البريئة النافعة، لكن لماذا يكون الجهاز داخل غرفة نوم الولد أو البنت، ولماذا يستخدم في كل وقت دون متابعة لماذا لا يكون في صالة البيت مثلا ويستخدمه الجميع ويتعرف الأب والأم على كلمة السر الخاصة بابنهما وبنتهما للاطمئنان والمتابعة بعد المناقشة المقنعة بأهمية هذا الإجراء، وينبغي أن يلاحظ أننا نتحدث هنا عن الأطفال والناشئة حيث تقل الخبرة عندهم بالحياة ويسهل التأثير عليهم في الغالب.

المعلم الرابع: إتاحة الفرصة الكاملة للحوار الحر والمناقشة الرشيدة:

نعاني اليوم كثيرا من عدم معرفتنا لما يفكر به أبناؤنا وغموضهم وانزوائهم بعيدا عنا، بل وقلة حديثهم معنا وتجنبهم الجلسات المطولة معنا وقد جاءت التربية النبوية بعلاج فعال لهذه الظاهرة تتمثل في فتح المجال الكامل للحوار الصريح والمناقشة الحرة مع الأبناء.

لو جاء ابن أحدنا إليه ذات يوم وقال لك اسمح لي بشرب الخمر أو تناول المخدرات أو فعل فاحشة الزنا - عياذا بالله من ذلك- ترى كيف سيكون الرد؟ أنت قليل الأدب، خيبت أملي فيك، لا تكلمني، أخرج من بيتي، ضرب...إلخ، وبالتالي فبعض الأبناء الذين يفكرون في هذه الأمور وغيرها لن يصارحوا آباءهم بها وسيلجأون إلى رفقائهم الذين ربما أعانوهم عليها لضعف خبرتهم وقلة تجربتهم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع طلب مماثل بأسلوب مختلف أخرج الإمام أحمد عن أبي إمامة (أن فتى شابا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إئذن لي بالزنا فأقبل عليه القوم فزجروه فقال: أدنه فدنا منه قريبا فقال: اجلس فجلس فقال: أتحبه لأمك قال: لا والله جعلني الله فداك قال: ولا الناس يحبونهم لأمهاتهم... أفتحبه لأختك لابنتك لعمتك لخالتك.. والشاب يرد عليه بنفس الجواب السابق.. فوضع يده علي وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وأحصن فرجه قال: فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت لشيء).

 لاحظ هنا أنه أعاد صياغة تفكير الفتى وأبان له جوانب لم يكن يلحظها من هذه القضية ولم يستدل له بآية واحدة كقوله تعالى: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء: 32] ، لأن مشكلة الشاب ليست مشكلة معرفية، بل مشكلة سلوكية تربوية بالدرجة الأولى.

ولو لم يكن هذا الشاب يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم يتيح الفرصة الكاملة للحوار الحر لما تجرأ فطلب من أطهر الخلق الإذن بالزنا.

وفي المقابل فإن أبا طرد ابنه المراهق الذي لم يتجاوز عمره الستة عشر عاما من البيت لمجرد جرأته على القول: أنا حر، حينما ناقشه أبوه عن سبب تأخره في الرجوع إلى البيت فهام على وجهه عند بعض أقاربه أياما متواصلة حتى تم الإصلاح بينه وبين والده، وبعد تحطم العلاقة الحميمة القائمة على الحوار الصريح بين الأب والابن، صحيح أن الأبن قد أخطأ لكن خطأ الأب كان أكبر.

وقبيل غزوة أحد رد النبي صلى الله عليه وسلم سمرة بن جندب لصغر سنه وجسمه وأجاز مشاركة رافع بن خديج الذي كان يقاربه في السن ولنا أن نتصور ناشئا صغيرا بحضرة قائد الأمة قبيل المعركة لا يقبل حكمه، بل يحاوره ويناقشه فيه حتى يقنعه بتغييره قال سمرة: (لقد أجزت هذا ورددتني ولو صارعته لصرعته قال: فدونكه فصارعه سمرة فصرعه فأجازه).

كم نحن بحاجة اليوم إلى الحوار والمناقشة مع الأبناء ولكن على الطريقة المحمدية التي عرضنا طرفا منها لا على الطريقة الفرعونية التي تقول: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، فبعض الآباء والأمهات يريد من أبنائه وبناته حين يحاورهم أن يسلموا له بكل ما يقوله وأن يقبلوا ما يمليه عليه وهذا ليس بحوار.

التربية الوقائية  

من أجل تربية وقائية يتحدث الدكتور خالد القاسم، الأستاذ المساعد في قسم الثقافة الإسلامية في كلية التربية.. آثار القنوات الفضائية على الأطفال فيقول:

1- التربية الإسلامية بمفهومها العام هي خير معين لتجنب وتقليل الآثار السلبية للقنوات، ودعم التأثير الإجابي، حيث إنها متضمنة للمعرفة التي يميزون بها بين الفضيلة والرذيلة، منمية الضمير الحي المستشعر مراقبة الله تعالى الرادع عن مشاهدة ما ينافي الأخلاق، مجيبة ومفسرة لكثير مما يشاهدون في ظل الرؤيا الإسلامية، وعلى الآباء تثقيف أنفسهم بأهمية التربية الإسلامية ووسائلها.

2- تهيئة البيئة الصالحة في البيت والمدرسة والجيران للحفاظ على فطرة الله من البداية، مصداقا لقوله تبارك وتعالى:{..فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 30]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (كل مولد يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، أي يولد على فطرة التوحيد والإيمان بالله، ومن هنا يأتي دور التعويد والتلقين والأديب في نشأة الولد، وترعرعه على التوحيد الخاص، والمكارم الخلقية، والفضائل النفسية، وآداب الشرع الحنيف.

ومما لا يختلف فيه اثنان أن الولد إذا تيسر له عاملان: عامل التربية الإسلامية الفاضلة، وعامل البيئة الصالحة، فإن الولد - بلا شك - ينشأ على الإيمان الحق، ويتخلق بأخلاق الإسلام، ويصل إلى قمة ا لفضائل النفسية، والمكارم الذاتية، وينشأ لديه حصانة ذاتية تعصمه - بمشيئة الله تعالى - عن الانحراف وتصرفه عن مشاهدة ما يضره.

ومما يؤكد أن للبيئة الصالحة والرفقة الطيبة أكبر الأثر في تربية المسلم على الصلاح والتقوى، وتكوينه على أسس الإيمان والعقيدة والأخلاق الفاضلة، حديث أبي سعيد بن سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب - أي عابد-، فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على عالم، فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم! ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله تعالى، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرض قومك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاءنا تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم - أي حكما- فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجوده أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة). وفي  رواية (فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له)، فتجد في هذا الحديث أن مما يساعد على التوبة والعلاج تغيير البيئة الفاسدة ببيئة صالحة، وقد مثل صلى الله عليه وسلم كلا الجليسين الصالح والسوء بمثلين كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة)، فيؤخد من هذه النصوص، أن الولد حينما تتوفر له تربية صالحة من قبل آباء صالحين، ومعلمين مخلصين، وتتوفر له بيئة صالحة من قبل أصدقاء صالحين، ورفقاء مؤمنين مخلصين، فإن الولد - ولا شك - يتربى على الفضيلة والإيمان والتقوى، ويعتاد كل أدب رفيع، وخلق جميل وعادة كريمة، دروسا لتوعية الآباء عن طريق دورات بعنوان: (الآباء في عصر التلفزيون) مدتها ثماني ساعات: إذا كان الأطفال سيشاهدون 20.000ساعة قبل التخرج في المدارس العليا أفلا يتوفر لدى الآباء ثماني ساعات للتأكد من أن وقت المشاهدة يكون مثمرا أو على الأقل ليس مخربا؟

كما يجب تحصين الأولاد وتثقيفهم ثقافة وقائية مما في الشبكة العالمية (الإنترنت)، وعدم التسليم بكل ما فيها، نظرا لوجود كثير من الأمور الباطلة في مواقع كثيرة في الشبكة ومن ذلك:

- إثارة التحريف في كلام الله من خلال اختلاق قراءات جديدة.  

- مع وجود كثير من الشبه على الدين الإسلامي في واقع منحرفة.  

- مواقع الدردشة المفتوحة وما فيها من تضليل وانحراف.  

- مواقع إسلامية غير موثوقة تنشر فتاوى مضللة أو معلومات منحرفة.  

- مواقع بأسماء إسلامية لفرق إسلامية منحرفة تحوي عقائد باطلة.  

- مواقع تتضمن منشورات ومعلومات ضد علماء الإسلام.  

- مواقع تتضمن نشرات جنسية فاضحة.  

- وغير ذلك من أساليب التضليل والإغواء.  

4- تذكيرهم بأهمية الوقت وقيمة العمل الصالح والعلم النافع، وقد أقسم الله سبحانه وتعالى بالعصر وهو الزمان فقال: {والعصر} [العصر: 1] ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأهمية الزمان في أحاديث كثيرة منها: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ، فيجب لفت نظر الطفل إلى أهمية الوقت واستغلاله، وعدم إضاعة الساعات الطويلة أمام التلفزيون.

5- تقوية صلتهم بالله وتنمية روح المراقبة له سبحانه في نفس الطفل، ،وأنه يراه في كل أحواله، ومطلع عليه حيث يقول سبحانه وتعالى: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} [غافر: 19] ، وقوله سبحانه: {إن الله لا يخفى عليه شيءِ في الأرض ولا في السماء} [آل عمران: 5] ، وقد وجه إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الإحسان فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).  

والمتأمل حال بعض الآباء والأمهات يلاحظ كيف تؤدي تربيتهم لأولادهم إلى أن تنصرف نفس النشء عن مراقبة الله، وتغفل عن خشيته، وتعظم في نفسه خشية الناس ومراقبتهم، وذلك بسبب ما يلقى في روعه منذ الصغر بأن عليه الفعل والترك رغبة في الفوز برضا الخلق، وطمعا في كسب ودهم ومديحهم، وتجنبا لسخطهم ومقتهم وهمزهم، وذلك كقول بعضهم لطفله: تجنب هذا لكي لا يضحك عليك الناس، واعمل هذا يحبك الناس، وماذا يقال عنا وعنك حينما تعمل كذا وكذا وأنت فلا ابن فلان.. إلى آخر تلك العبارات.  

وهذا المسلك يورث في الناشئة - من حيث لا يشعر الوالدن- الرياء والتعلق بالناس، خوفا ورجاء، مما يجعله يأتي من الأعمال والأقوال ما يوافق أهواء الخلق من غير نظر إلى رضاء الله سبحانه وتعالى، وسخطه، وأسوأ ما ينتج عن هذا الأسلوب أن يعتاد هذا النشء الالتفات إلى البشر في عبادته، ومعاملاته، فيتعبد لربه بصلاة وصيام وغيره إذا كان المجتمع يؤيد هذا الاتجاه، وإذا خلا مع نفسه ترك عبادته وانفلتت جوارحه، لغياب الرقيب البشري، وعدم تعودها استشعار الرقابة الإلهية)، ولا شك أن تنمية مراقبة الله سبحانه سيساهم مساهمة كبرى في التخفيف من الآثار السيئة للتلفزيون والإنترنت.  

الثواب والعقاب في التربية  

أما الدكتور خالد الدريس، فيتناول مسألة الثواب والعقاب في التربية، ويقدم الضوابط التالية التي يجب مراعاتها عند استعمال الثواب والعقاب فيقول:  

ينصح بعض التربويين ألا يكون الثواب على عمل طبيعي يومي، فإذا قام الطفل بتناول طعامه، أو نام في الوقت المناسب، أو درس دروسه، فإنه لا يستحق ثوابا على ذلك. أما إذا قام بواجب من الواجبات الاجتماعية بكامل حريته فحينئذ يتطلب ذلك منا أن نقدم له الثناء والثواب على سلوكه.  

وربما كان الدليل على ذلك مشكلة بدانة الأطفال، فإن ما يتلقاه الأطفال من تشجيع دائم من أسرهم بحثهم على الأكل وتناول أنواع الأطعمة والمشروبات يجعل من الأطفال يسيرون في هذا الاتجاه دائما.

ويخطى كثير من الآباء والأمهات حينما ينتجهون أسلوب الثواب بالأكل لتحقيق ما يطلبونه من طفلهم، كأن يقولون له: إذا علمت كذا فسوف اشتري لك حلوى، أو همبرغر).. أو يثاب الطفل بأن يؤخذ إلى  المطعم.. وهكذا، ولا ينبغي حصر الثواب في مسألة الطعام ورغبات الطفل في تناول الأكل أو الحلويات.  

الثواب أقوى وأبقى أثرا من العقاب في عملية التعلم، وإن المدح أقوى أثرا من الذم بوجه عام، وهنا يجب أن نستحضر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرفق ما وضع في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه)، ويؤكد هذه الحقيقة أحد كبار المختصين في علم النفس (سكنر): (إن التعزيز الإيجابي هو المفتاح السحري لكل مشكلات التعلم). ولكن هذا ليس على اطلاقه كما سنرى.

- إن الجمع بين العقاب والثواب في بعض الحالات يكون هو العلاج الأنسب، خاصة حين نستخدم العقاب لكف السلوك المعوج، فإذا استقام الطفل فيجب أن يثاب على استقامته وكفه، ولا يهمل ما حدث من تحول في سلوكه.  

- أن يكون العقاب والثواب بعد السلوك مباشرة، لأنه في حال تأخر العقاب للغد أو بعد يومين نعلم الطفل بهذه الحال معنى الانتقام، وفي حال تأخر عملية الثواب تفقد جدواها وأهميتها وأثرها على النفس والسلوك عامة. والمهم هنا أن يكون الثواب والعقاب فوريا وعلى قدر العمل المراد إثابة الطفل أو معاقبته عليه، أما الوعود بثواب لا يتحقق أو التهديد بعقوبة لا تحدث، فإنه يفقد الصغار الثقة في الوالد أو المعلم كما يزعزع سلطتهما.  

- أن يعرف الطفل المعاقب لماذا يعاقب، وإن شجع  الطفل وكوفئ فيجب أن يعرف لماذا كافأناه؟

- يجب تجنب أساليب التهكم والإذلال الشخصي، لأنها محرمة شرعا، كما أنها تورث الأحقاد. وكذا الغلو في المدح والثناء فهذا أىضا منهي عنه.

- الثواب يجب أن يؤدي إلى الارتياح، والعقاب يجب أن يؤدي إلى عدم الارتياح، وقد يكون هذا الضابط واضحا بذاته بحيث إنه لا يستحق الذكر، ولكن يقع أحيانا أننا نكافئ الطفل بالأكل بينما هو شبعان أو لا يراه مشبعا لحاجة نفسية عنده، فلا بد أن تكون المكافأة أو العقاب هي كذلك من وجهة نظر الطفل أيضا.

العقاب البدني بين الرافضين والمؤيدين:

 اختلفت وجهات النظر حول العقاب البدني فيرى المؤيدون:  

أ- أن التربية إعداد للحياة، وأن الحياة التي نعد الطفل لها يمارس فيها الضرب باعتباره وسيلة من وسائل التوجيه نحو الاستقامة.  

ب- أن الإسلام قد أباح ضرب الأطفال بشروط خاصة إذا تقاعسوا عن أداء الصلاة لحديث (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر)، وللحديث شواهد تقضي بقوته. ولحديث: (لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله) أخرجه البخاري وغيره، وقال بعض المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم: (وعرف الشرع إطلاق الحد على كل عقوبة لمعصية من المعاصي كبيرة أو صغيرة فيكون المراد بالنهي المذكور في التأديب للمصالح كتأديب الأدب ابنه الصغير).  

ج- أن الضرب يمارس في جميع بلدان العالم ولم تستطع القوانين أو التعيمات أن تستأصل شأفته فهو وسيلة سهلة لضبط التلاميذ تريح المعلم وتكفل له تحقيق النظام بأيسر وأقصر الطرق.  

د- أن معظم الرجال العظماء قد تعرضوا في حياتهم المدرسية للعقاب، ولم يؤثر ذلك في الحد من طموحاتهم.  

هـ - أن طلاب المدارس التي لا يسمح فيها بالضرب يميلون إلى التسيب وإلى عدم الجدية في تعاملهم مع زملائهم ومعلميهم.  

و- من الأمثال العربية المشهورة (العصا لمن عصا من الجنة)، و(من أمن العقوبة أساء الأدب).  

ز- أن المعلم الذي لا يستخدم العصا يتهم بضعف الشخصية.  

ح- أن سـوء استهدام بعض المعلمين لأسلوب العقاب البدني لا يعني أن نحكم عليه الفساد.  

أما المعارضون فيرون:  

- أن العقاب البدني يشكل خطرا جسيما على شخصية الطفل وخصوصا إذا حصل أمام الزملاء.  

- أن أسلوب العقاب البدني يسبب توترا للمعلم وللمتعلم على السواء.  

- أن العقاب البدني يوجد هوة واسعة بين التلميذ ومعلمه الأمر الذي يقلل من استفادته منه.  

- أن العقاب البدني قد يتسبب في كراهية الطفل للمدرسة وللعملية التعليمية، وربما يؤدي به الأمر إلى التسرب أو الجنوح.  

- أن كثيرا من الأنظمة التربوية تمنع العقوبات البدنية.  

- أن المعلم الذي يستخدم أسلوب الضرب يفقد حب تلاميذه له وتصبح علاقته قائمة على العداء وليس الاحترام.  

- أن الضرب يفقد أثر حين يتعاد الطفل عليه.  

- أن الضرب قد يتسبب للتلميذ في عاهة دائمة.  

وقد ذكر لي أحد الزملاء مقولة يتداولها بعض المعلمين في المدارس تنم عن شعور بإحباط كبيرة: (هناك أنظمة تمنع المدرس من ضرب الطالب، ولكن ليس هناك أنظمة تمنع الطالب من ضرب المدرس). ويؤيد مثل هذه المقولة مقال نشر في جريدة الجزيرة 21/جمادى الثانية 1422هـ بعنوان: (مبدأ العقاب والثواب في المدارس)، للأستاذ عبدالكريم الجيهمان وهو من كبار المربين والمشتغلين في التعليم يعرض فيه لهذه المشكلة فيقول:

(يقول لي أحد المدرسين إننا نستجدي من الطلاب أن يلتزموا الأدب.. ونستجدي منهم أن يؤدوا واجباتهم.. ولا نملك أن نعاقب المشاغب بأي عقوبات حتى ولو كانت بسيطة كإيقافه خارج الفصل.. أو بعثه إلى المدير أو إلى المرشد الطلابي.. لقد انغرس في نفوس الطلاب منع العقاب بجميع صوره وأشكاله وهناك بعض الطلاب ولا أقول كلهم لا يقدرون هذه الحماية وهذه الحرية حقد قدرها!! بل يسيؤون استعمالها.. ويحولونها إلى فوضى ومشاغبات في الفصل الدراسي وفي أثناء الاستراحات بين الحصص!! وأرى أننا بهذه السياسة نسيئ إلى الطالب ونعطيه حماية لا يحسن استعمالها..  

إن المدرسة ومدرسيها في حاجة ماسة إلى منحهم سلطة كافية تكبح بعض الشطحات التي يرتكبها بعض الطلاب ولا أقول كلهم.. ولقد سمعت كثيرا من أحداث المدارس.. ولكن الحدث الذي آثار أعصابي هو حدث التلميذ الذي دخل على مدير مدرسته وضربه في غرفة الإدارة. إن مثل هذه الجرأة في رأيي يجب أن تعالج بشدة وأن تذاع وتشاع بين الطلاب حتى لا تتكرر مرة أخرى!! ونحن في وقتنا الحاضر أمام مشكلتين لا بد من ارتكاب اخفهما في سبيل اتقاء أكبرهما.. واعتقد أن أخف الضررين أن نعيد للمدرسة سلطتها وحرمتها وأن يختار من أساتذة المدرسة هيئة لتقرير العقوبات على بعض الطلاب الذين لا يلتزمون بآداب السلوك وأداء الواجبات.  

ويقدم الدكتور خالد الدريس التوصيات التالية:  

1- إن تطبيق مبدأ الثواب والعقاب في التربية حين يتم وفق سياسة تربوية واعية ودقيقة، وفي ظروف ومواقف اجتماعية ونفسية صحيحة يؤدي إلى نتائج مجدية ومثمرة.  

2- إن إلغاء العقوبات البدنية بصورة مطلقة في العملية التربوية يستدعي المراجعة وإعادة النظر من المهتمين والمعنيين، ولعل الاقتراح الذي تقدم به بعض التربويين من تكوين لجان للعقوبات في كل مدرسة يعهد إليها بتقدير العقوبات المناسبة لكل حالة وبصورة تعود بالنفع على الطالب وعلى مجتمع المدرسة بصورة عامة يستحق الاهتمام.  

3- نوصي بضرورة الاهتمام بمراجعة المختصين في العلوم الشرعية لبعض الأبحاث التربوية التي يتم التطرق فيها للاستشهاد ببعض النصوص الشرعية، لما لاحظناه من وجود ألوان من الخلل المنهجي في كثير من تلك البحوث التي يترك في بعضها الاحتجاج بالصحيح ويؤخذ بالموضوع المكذوب كما في احتجاج أحد الباحثين بحديث (شرار أمتي معلموا صبيانهم، أقلهم رحمة بهم، وأغلظهم عليهم) مع أنه حديث موضوع، وتشكيكه في حديث الأمر بضرب الأبناء على الصلاة حين بلوغهم سن العاشرة.

 

نشر في مجلة الدعوة العدد (2032) 2 صفر 1427هـ - 2 مارس 2006م
 

 
 
   

 
جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل ل

مكتبة الفيديو

الدخول والزيارات 

حجز موعد بالعيادات الخارجية

 مواقع ذات علاقة

اتصل بنـا

©

جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض - إدارة الصحة الإلكترونية  2003 - 2019