مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
 

 

 

 
الصحة النفسية

 

     رسالة المجمع
   الدخول والزيارات
    موضوعات اجتماعية
    إدارة التغذية
    أقسام مجمع الأمل
   مقالات علميـــة
    إدارة التدريب
    البرامج العلاجية
    البرامج الوقائية


 
 

الأزيز المتواصل إلكترونيا ينهش أدمغتنا ويطاردنا أثناء النوم
الإجهاد والاكتئاب والقلق أمراض تسكن مواقع العمل

العمل الذي كان في الماضي نشاطا نمارسه من أجل المال والمكانة يفترض فيه الآن أن يقدم إحساسا شخصيا بتحقيق الذات،
ما يؤدي إلى عدم الارتياح والخوف والقلق.

في البداية كان هناك وخز خفيف في أصابعه وساعديه وأصابع قدميه، ثم أصيب بشلل عقلي. يقول المصرفي التنفيذي الذي في منتصف الأربعينات من العمر "لم يكن بمقدوري التفكير في كيفية اتخاذ قرار. تجمدتُ تماما. شعرت وكأن مستوى ذكائي انخفض 50 نقطة". ويضيف أن "الفتيل الذي أشعل إحساسه بالقلق كان مطالب العمل غير الواقعية. وعدم اتخاذ القرارات جعل الوضع أسوأ، على اعتبار أني لم أكن في ذلك الحين أمارس عملا".

لكن هذا العامل في الحي المالي في لندن، الذي فضل عدم ذكر اسمه، حاول إخفاء مشاعر القلق لأنه كان يخشى أن يظن صاحب عمله أنه ليس مناسبا للعمل. الثقافة السائدة في مكتبه كانت تقوم على عدم لفت الأنظار إليك، والعمل بجد، وعدم الاعتراف بأي ضعف. أراد أن يُنظَر إليه على أنه يتمتع بالكفاءة والمتانة. لاحظ الناس أن عمله - بدلا من صحته العقلية - كان يعاني. "نظرا لأني كنتُ دائما الموظف الناجح، حين راح رئيسي يؤاخذني على عملي، تعرضتُ للانهيار".

استحوذ عليه خوف من أنه مدلس، وبالتالي أخذت تراوده أفكار في الانتحار. كان ذلك في 2014.

بعد أن تلقى المساعدة من الطب النفسي، عاد الآن إلى عمله، وأصبح مختصا في كشف علامات القلق لدى الناس. يقول "السمات التي تسهم في الإجهاد يمكن أيضا أن تكون السبب في أن أصحاب الأداء العالي وصلوا إلى مناصبهم الحالية - وهي إرضاء الناس، والسعي نحو الكمال، والحاجة إلى أن تكون قويا، وأن تكون متيقظا للغاية أمام التهديدات الناشئة". حالته مثال صارخ على مشاعر القلق والإجهاد التي يعانيها الموظفون، ويضطر أصحاب العمل للانتباه إليها بشكل متزايد. إنها ظاهرة عالمية، لكن في بريطانيا وحدها، تشير التقديرات في أحدث تقرير من المراقب الطبي العام إلى أن عدد أيام الإجازات المرضية الناتجة عن "الإجهاد والاكتئاب والقلق" ارتفع بنسبة 24 في المائة بين 2009 و2013. هذه الإحصائية مثيرة للقلق بشكل كبير: أحد التقارير من كلية روتمان للإدارة في تورونتو ـ نشر هذا العام ـ يُظهِر أن 41 في المائة من الموظفين من عدد من الصناعات يُبلغون عن مستويات عالية من القلق.

غالبا ما يُلقى باللوم في الزيادة على ظروف العمل الحديثة. الأزيز المتواصل من النصوص والبريد الإلكتروني والتغريدات ينهش أدمغتنا ويطاردنا أثناء النوم، والروبوتات في صعود على نحو يهدد بسرقة وظائفنا. تظهر تكنولوجيات جديدة من مصادر غير تقليدية لتدك الشركات القائمة ويبدو العمل غير مضمون وتتراخى الروابط مع الشركات. كذلك تغيرت التوقعات في الحياة المهنية. العمل الذي كان في الماضي هو النشاط الذي تمارسه من أجل المال والمكانة يفترض فيه الآن أن يقدم إحساسا شخصيا بتحقيق الذات. والنتيجة؟ نحن مصابون بعدم الارتياح، والخوف، والقلق.

يقول بيل جورج، وهو زميل أعلى في كلية الأعمال في هارفارد "بعد عقد من إحداث الاضطراب وتخفيض النفقات وتسريح العاملين، أصبح مستوى القلق بين الموظفين عاليا للغاية".

التشخيص

غالبا ما يوصف الهم بأنه إحساس بالانزعاج، أو القلق، أو الخوف. وحين يصبح حادا، فإن الآثار يمكن أن تؤدي إلى الوهن. بعض الناس معرضون لهذا أكثر من غيرهم، وفي فترات مختلفة في حياتهم. وهو ليس شيئا نستطيع أن نتخلص منه تماما ويمكن في بعض الأحيان أن يكون مفيدا في تحسين أدائنا. لكن الكثير منه فوق الحد، يمكن أن يصيبنا بالأذى، وفي بعض الأحيان يؤدي إلى الإدمان على الشرب والمخدرات.

غياب الموظفين هو فقط مشكلة واحدة من المشكلات العديدة لأصحاب العمل. فقدان الإنتاجية – هي الحضور إلى العمل رغم كون الشخص مريضا - مشكلة أخرى. يحدث هذا حين يأتي الموظفون إلى العمل لكن أداءهم يكون دون المستوى بسبب المرض. تشير الأبحاث إلى أن هذا الاتجاه العام يؤثر بصورة شاملة في موظفي المكاتب، وأن تكاليفه يمكن أن تكون عالية. أحد التقارير قدَّر أن هذه الظاهرة، بما في ذلك جميع المشكلات الطبية والعقلية، سلبت 2.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لأستراليا في 2010. وفي دراسة في مجلة "علم النفس التطبيقي"، نشرت في وقت مبكر من هذا العام، جاء ما يلي "يتدخل القلق في قدرة الناس على التعامل مع الأحداث المباشرة، ما يؤدي إلى تدني الأداء".

استجابة لذلك، تعمل الشركات على إدخال برامج من أجل مساعدة العاملين على التكيف بصورة أفضل مع الإجهاد والقلق. وحتى في الصناعات ذات التنافسية العالية، مثل التمويل والتكنولوجيا، هناك فهم متزايد لمسألة أن الانتباه لسلامة الوضع العقلي للموظفين يمكن أن يكون جيدا بالنسبة إلى الأرباح.

مايكل سنكلير، وهو عالم نفس في الحي المالي في لندن، يعتبر أن هناك عددا "هائلا" من المصرفيين والمحامين الذين يعانون قلقا مصدره العمل. "إنهم يعملون بمعدل محموم. الضغط موجود باستمرار، وهناك ثقافة التواصل الذي لا ينقطع بالبريد الإلكتروني".

لكنه يعتقد أيضا أن هناك مشكلة أكبر بالنسبة إلى الشركات: القلق الذي من هذا القبيل يمكن أن يكون معديا. "خوف الشركة من الفشل يغذي الخوف نفسه بين موظفيها، وهو ما يخلق مرضا على مستوى الشركة ويوجد ثقافة القلق. عنصر المفارقة في الموضوع هو أن هذا يأتي برد فعل معاكس ويؤثر في الأرباح".

نايجل جونز، وهو محام ومؤسس مشارك لمنظمة "تحالف الصحة العقلية في الحي المالي"، وهي منظمة غير ربحية للعاملين في الخدمات المالية في لندن، يقول إن التكنولوجيا عامل مساهم في ذلك. ومن رأيه أن الحدة ازدادت منذ أن بدأ العمل قبل 30 عاما.

ويقول "يريد العملاء مزيدا من حيث السرعة والنوعية. هناك مزيد من الضغط في العمل، ومخاطر القلق آخذة في الارتفاع". ويضيف أن "27 من أصحاب العمل في الحي المالي في لندن أصبحوا أعضاء في الشبكة خلال سنتين". ويقول "التوقعات باستجابة سريعة من قبل أحد العملاء أصبحت أعلى، لكن التوقعات بخصوص نوعية العمل لم تنخفض". جانبيرو بيتريلييري، الأستاذ المشارك للسلوك التنظيمي في كلية إنسياد للأعمال، يعتبر أن زيادة انتشار الوسائط الاجتماعية عامل محفز لما أصبح يعرف بظاهرة "قلق العرض"، الذي يجعل الناس يشعرون بالضعف. ويقول إننا نعاني "كوننا دائما في حالة ترقب".

ورغم أن البطالة في بريطانيا عند أدنى مستوياتها منذ سبع سنوات، ارتفع عدد عقود التوظيف قصيرة الأجل وازداد الإحساس العام بانعدام الأمن الوظيفي بالنسبة إلى ملايين الناس، من عمال الفولاذ إلى الممرضات والمصرفيين.

ويجادل بعضهم بأن من المستحيل حساب أثر التكنولوجيا المتغيرة وظروف التوظيف في الارتفاع في حالات الإبلاغ عن القلق.

يقول سكوت ستوسل، مؤلف كتاب "عصر القلق الذي أعيش فيه"، "محاولة المقارنة المباشرة لمستويات القلق بين العصور لا طائل من ورائها. إذا صرفنا النظر عن بيانات الاستبيانات والإحصائيات الحديثة حول ارتفاع وتراجع مستويات استخدام المهدئات، ليس هناك مقياس سحري للقلق يمكن أن يتجاوز الخصوصيات الثقافية للمكان والزمان".

الجواب بالنسبة إلى بعضهم هو أن تكون لديهم سيطرة أقوى على جداول عملهم، أو أن يتحولوا إلى العمل لحسابهم الخاص. لكن حتى هذا يمكن أن يكون سلاحا ذا حدين، بحسب باري شوارتز، أستاذ النظرية الاجتماعية والفعل الاجتماعي في كلية سوارثمور في الولايات المتحدة، ويقول "هناك جانب مظلم لكل هذه الحرية من القيود، ولكل هذا التركيز على الأفراد باعتبارهم يتحكمون في عالمهم وأقدارهم. هذا يجعل الناس مترددين إزاء ما يجب عليهم فعله والسبب في ذلك".

سارة هوروويتز، من اتحاد العاملين لحسابهم الخاص في الولايات المتحدة، قالت في مقابلة مع "فاينانشيال تايمز" في وقت مبكر من هذا العام "إذا كنتَ تدير برامج صحية لعمال المناجم، يجب أن تكون مختصا في مرض الرئة السوداء؛ وإذا كنتَ تديرها للعاملين لحسابهم الخاص يجب أن تكون مختصا في القلق".

هناك أجهزة جديدة - غالبا ما يتم إدخالها على أنها أجهزة لتوفير الوقت - وكان يتبين دائما أنها مثيرة للقلق. بريجيد شولته، مؤلفة كتاب "المغلوبون بالضغط: العمل والحب واللعب حين لا يتوافر الوقت لأي شخص"، تشير إلى أنه حتى اختراع قلم الرصاص جعل بعضهم يشعر بأن المعرفة والمعلومات كانت تتدفق بسرعة زائدة عن الحد.

وتقول "يشعر الناس أن الوقت يتسارع، وأن الطرق القديمة المألوفة في الحياة والعمل آخذة في الزوال، ويستبدل بها شيء غريب يحوطه
اللبس".

الأمر الذي يتغير الآن هو إدراك أصحاب العمل هذا الموضوع. في 2007 عانى جون بينز، وهو شريك سابق لدى شركة ديلويت للخدمات المهنية، حالة حادة من القلق والاكتئاب "كنتُ أنظر في بريدي الإلكتروني وأفترض أني إذا فتحته سأقرأ خبرا سيئا". كذلك حين يسمع صوت جرس الهاتف كان يستثير لديه إحساسا بالخوف الشديد. ويقول لم تكن هناك ثقافة بخصوص الحديث عن القلق في العمل.

اليوم هو مستشار مستقل حول الصحة العقلية لعدة عملاء، من بينهم ديلويت. هذا التغير يعكس إدراكا أوسع للقضايا، لكنه يعكس أيضا المخاوف بين أصحاب العمل حول إمكانية التقاضي من قبل العاملين. هناك مصادر أخرى للقلق حول العلامة التجارية، والسمعة، وحتى التوظيف للشركات التي لديها سجل سيئ من حيث الصحة العقلية.

إجراءات وقائية

برامج الموظفين التي تركز على الصحة العقلية للعاملين، توسعت بصورة كبيرة من حيث النطاق - من المساندة المالية إلى تقديم الاستشارات. ووفقا لتقرير من Ibisworld، وهي شركة لأبحاث السوق، على مدى السنوات الـ 20 الماضية ارتفع عدد الشركات الأمريكية التي تدير برامج من هذا القبيل إلى أكثر من الضعف، لتصل إلى 74 في المائة. المختصون في الاستشارات الذين يتعاقد معهم أصحاب العمل، الذين يشعرون بالقلق حول الإنتاجية الضائعة، هم جزء من صناعة غير رسمية نشأت من أجل تهدئة مشاعر القلق والإجهاد في أماكن العمل.

الوعي العقلي - الذي يعرِّفه أنصاره بأنه الإدراك الناشئ عن دراسة التجربة التي يمر بها الإنسان لحظة بلحظة - لم تعد ممارسته حكرا على الرهبان البوذيين وأتباعهم، وإنما يتبناه الآن الرؤساء التنفيذيون. "جوجل" و"أبل" و"سوني" من بين الشركات التي تبنت برامج الوعي العقلي من أجل تشجيع الموظفين على التأمل والتركيز - وجعلهم أكثر إنتاجية وأكثر قبولا لعملهم. المرونة مصطلح آخر اكتسب زخما بين أصحاب العمل.

مستشارو علاج الإدمان الرقمي يقدمون النصح للموظفين حول كيفية عدم التشتت بالبريد الإلكتروني والرسائل النصية و"تويتر". ويعرضون ملاذات للتنفيذيين المصابين بإجهاد كبير، مثل مؤسسة Camp Grounded في الولايات المتحدة، أو مستشارين يعملون مع الموظفين من أجل غرس الممارسات الجيدة في التكنولوجيا.

لكن سيكون من الخطأ المبالغة في مقدار المساعدة المقدمة من الشركات. في الفترة الأخيرة وجد "المعهد القانوني للموظفين والتطوير" أن 60 في المائة فقط من المنظمات في بريطانيا تتخذ خطوات لمعرفة الإجهاد في مكان العمل وتخفيفه.

الخطر دائما هو أن تصبح مبادرة الصحة السليمة ممارسات لتعبئة المربعات، التي يضعها مدير الموارد البشرية. الأقسام الملتزمة بتشجيع الصحة العقلية النشطة ربما تناقض الواقع اليومي للزملاء. فضلا عن ذلك يمكن للبرامج أن تستثير ردود أفعال عكسية في الوقت الذي يصبح فيه الموظفون قلقين من الإخفاق في العودة إلى الانتباه العقلي.

تقول شولته التي تجادل بأن كثيرا من برامج الشركات لا تدرك مغزى الموضوع "إذا كنتَ تقدم فصولا دراسية في الانتباه العقلي، أو برامج في السلامة العقلية، فإن هذا يشبه قولنا إن سبب القلق ناشئ عن العامل، بالتالي ينبغي أن يكون الحل من طرف العامل أيضا. وهذا أمر ليس منصفا. نعم، يجب إعطاء الناس الأدوات التي تعينهم على إدارة الإجهاد والقلق. لكن رؤساء الشركات بحاجة إلى إدراك دورهم في هذا أيضا".

القواعد الإرشادية في الشركات بخصوص إطفاء التكنولوجيا، مثلا، يمكن أن تريح الأفراد من مسؤولية رفض الإجابة عن رسائل البريد الإلكتروني التي تأتي في وقت متأخر ليلا.

تشجيع الموظفين على إشراك الآخرين في تجاربهم هو أمر مهم. "تحالف الصحة العقلية في الحي المالي" يرجو أنه من خلال إقناع كبار المصرفيين والمحامين بالحديث عن جوانب قلقهم، ربما يعمل هذا على إيقاف الآخرين عن الشعور بالتردد في طلب المساعدة.

يقول بينز "يظن الناس أن كل شخص غيرهم منيع أمام هذه المشاعر. كثير من الأشخاص الناجحين للغاية يعانون القلق. هناك طريق طويل لا بد من المشي فيه قبل أن يتم التعامل مع فكرة الربط بين الشخص القلق وبين الضعف".

الشخص الذي يعمل في البنك - الذي يراقب الآن من أجل العثور على علامات القلق في الآخرين - يشعر بتشاؤم أكبر بكثير. ويقول "إن المهنيين الجادين في عملهم يعتبرون أن الإجهاد علامة شرف، وبالتالي لا أحد يعترف بأنه مصاب بالقلق".

ويقول "أتحدث مع الناس حين أرى هذه العلامات. سأجد الوقت المناسب والنغمة المناسبة والمكان المناسب حتى أفتح الموضوع معه. لكن من الصعب على الناس أن يتحدثوا حول الموضوع، ونحن بحاجة إلى أن نسهل الموضوع عليهم".
 

 

جريدة الاقتصادية: الثلاثاء 05 صفر 1437 هـ. الموافق 17 نوفمبر 2015 العدد 8072

   

 
جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل ل

مكتبة الفيديو

الدخول والزيارات 

حجز موعد بالعيادات الخارجية

 مواقع ذات علاقة

اتصل بنـا

©

جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض - إدارة الصحة الإلكترونية  2003 - 2019