مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض

 

    موضوعات اجتماعية

    مقالات علميـــة

    أقسام مجمع الأمل

    إدارة التدريب

    إدارة التغذية

    الدخول والزيارات

     البرامج العلاجية

     البرامج الوقائية



 

 

منازل السكينة النفسية عند حدوث الخسائر المالية

 

حمد بن مرزوق الروقي*

الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فإن الله سبحانه أوجب على عباده الصبر عند المصائب فقال-سبحانه-: (وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، وقال-جل وعلا-: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ)، وقال- سبحانه-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).

والصابر هو الذي يكف جوارحه عما لا ينبغي، ويكف لسانه عما لا ينبغي، ويعمر قلبه بالطمأنينة والاحتساب وعدم الجزع، والإيمان بأن الله- سبحانه- هو الحكيم العليم، وأنه- جل وعلا- يقدر المصائب بحكمةٍ بالغة فيقدر على هذا مرض، على هذا حادث سيارة، على هذا موت، على هذا إيذاء من فلان أو فلان، ولهذا في الحديث الصحيح يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له).
فهذا شأن المؤمن، والصبر واجب متعين حيث يكف يده ولسانه وجوارحه كلها عما لا ينبغي، بل يحتسب ويصبر ويعلم أن ذلك من عند الله فيحتسب ذلك، ويكف جوارحه عما لا ينبغي، وإن رضي بهذا واطمأن إليه، ورضي بما قدر الله له كان أجره أعظم ومنزلته أفضل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (
إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومٍ ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط)، فالصبر واجب، والرضا سنة مؤكدة والجزع محرم وهناك مرتبة أخرى عليا وهي اعتبار المصيبة نعمة يشكر الله عليه، فيكون شاكر، صابر، راضياً يرى أن المصيبة نعمة هذا المرض الذي أصابه، أو فقر، أو خسر في سلعة، أو إنخفض دخله، أو ما أشبه ذلك يرى هذه نعمة يشكر الله عليها لما يترتب عليها من تكفير السيئات وحط الخطايا وعظم الأجور، فهو يعتبرها نعمة يصبر ويرضى ويحتسب.
ولقد هون الله على عباده شأن المصائب، بما وعد من البشارة الصالحة والوعد الحسن في قوله : (
إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) قال الأوزاعي : ليس يوزن لهم ولا يكال، إنما يغرف لهم غرفا .
هذا في الآخرة، وفي الدنيا : روى مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (
مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا ).
وقال تعالى : (
مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ).
وهذا من أعظم السلوى ؛ فإن العبد إذا علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه لو قدر شيء لكان، استكانت نفسه واطمأن قلبه، وإذا اتقى العبد ربه و تضرع لمولاه ولجأ إليه في المصائب وأحسن الظن به سبحانه جائه الفرج من حيث لايحتسب.
وليُعلـَم
 بأِن الله عز وجل يقدر ما يقدر من النعم أو من المصائب ؛ ليرجع الناس إلى الحق، ويبادروا بالتوبة مما حرم الله عليهم، ويسارعوا إلى طاعة الله ورسوله؛ لأن الكفر والمعاصي هما سبب كل بلاء وشر في الدنيا والآخرة. وأما توحيد الله والإيمان به وبرسله، وطاعته وطاعة رسله، والتمسك بشريعته، والدعوة إليها، والإنكار على من خالفها فذلك هو سبب كل خير في الدنيا والآخرة، وفي الثبات على ذلك والتواصي به والتعاون عليه؛ عز الدنيا والآخرة، والنجاة من كل مكروه، والعافية من كل فتنة.
وقد بين سبحانه في آيات كثيرات أن الذي أصاب الأمم السابقة من العذاب والنكال بالطوفان والريح العقيم والصيحة والخسف وغير ذلك كله بأسباب كفرهم وذنوبهم، كما قال عز وجل: (
فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وقال سبحانه وتعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ).
فيا معشر المسلمين حاسبوا أنفسكم وتوبوا إلى ربكم واستغفروه، وبادروا إلى طاعته، واحذروا معصيته، وتعاونوا على البر والتقوى، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين، وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، وأعدوا العدة الصالحة قبل نزول الموت، وارحموا ضعفاءكم، وواسوا فقراءكم، وأكثروا من ذكر الله واستغفاره، وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر لعلكم ترحمون، واعتبروا بما أصاب غيركم من المصائب بأسباب الذنوب والمعاصي، والله يتوب على التائبين، ويرحم المحسنين، ويحسن العاقبة للمتقين.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
 

* أخصائي إدارة صحية -    دبلوم شرعي عالي

 

 

إدارة العلاقات والإعلام الصحي: السبت 29 ذو الحجة 1437 هـ - 01 أكتوبر 2016م

   

         
   
جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض - إدارة العلاقات والإعلام الصحي - وحدة الإعلام الإلكتروني 2003 - 2017