مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
 

 

 

 
الصحة النفسية

 

     رسالة المجمع
   الدخول والزيارات
    موضوعات اجتماعية
    إدارة التغذية
    أقسام مجمع الأمل
   مقالات علميـــة
    إدارة التدريب
    البرامج العلاجية
    البرامج الوقائية


 
 

العنف: من المنزل إلى المدرسة
 

لتقويم سلوك الأطفال يجب الابتعاد عن ممارسة العنف اللفظي والنفسي بحقهم، حتى لا نسهم في خلق وحوش يتحينون الفرص للانقضاض على الآخرين، وتفريغ ما انطوت عليه أنفسهم من عنف مضاد

حادثة إحراق سيارة مدير مدرسة ثانوية الأسبوع الماضي لم تكن الأولى التي يتعرض لها بعض المعلمين، ولا أظنها ستكون الأخيرة لو لم تتخذ عدة إجراءات نظامية وتربوية مع الطلاب المتسببين في هذه الحادثة، والذين وجه لهم قائد المدرسة الاتهام بعد مصادرة هواتف محمولة كانت بحوزة عدد من طلاب المدرسة. وتيرة الاعتداء على المعلمين تصاعدت واختلفت طرقها في السنوات الأخيرة، وهذا يشير إلى وجود خلل تربوي فادح تتحمل مسؤوليته مناصفة الأسرة والمدرسة والقالب الكبير الذي يوجدان فيه "منظومة المجتمع ومنظومة التعليم".
جرأة طلاب مراهقين على الانتقام مما يعتقدون أنه أساء لهم بفرضه نظاما ما في المدرسة أو توجيهات من قيادة مدرسية أو معلمين عن طريق التطاول اللفظي أو البدني أو إتلاف الممتلكات بتحطيمها أو إحراقها، دلالة واضحة على أن العنف أصبح سهلا ومستساغا لدى الطلاب، سواء في رؤيته أو ممارسته، وهذه الممارسة دليل على انعكاس عنف آخر مورس على الأطفال والمراهقين، ولو كان نفسيا ولفظيا فقط في سنوات حياتهم الأولى.
يشاهد الطفل والمراهق في مجتمعنا نشرات الأخبار المدججة بالعنف والدماء اللذين ينوء بهما، وتمر أمام عينيه صور الاقتتال بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد دون فهم صحيح وواع لما يحدث، ولا مبرر لتساؤلات قد يدفنها الاعتياد في طيات ذهنه الغض. يمارس في بعض الأسر العنف ضد الأطفال بحجة التأديب والتربية دون تدخل من أحد، وقد يطول الضرب أمه وشقيقاته في عنف آخر موجه ضد المرأة ومسكوت عنه بين الأسر. وينشأ هذا الطفل ويكبر مراهقا في عادات قبلية تبالغ في الانتصار للقبيلة ومبدأ: "أنا وأخي ضد ولد عمي وأنا وولد عمي ضد الغريب"، يصبح "الهياط" شجاعة، و"دق الخشوم" بطولة ترفع بها الأصوات والشيلات، وتصبح هذه الأخيرة موجة تفسد الذوق العام وتزيد من العنصرية القبلية التي تعزز العنف تجاه الآخر. أيضا ينكب الأطفال والمراهقون لساعات طويلة على أجهزتهم الذكية والألعاب الإلكترونية التي تدور حول الاقتتال وحرب الشوارع والتفحيط وسرقة السيارات، وتصبح هذه الممارسات في عقلهم اللاواعي مقبولة وغير مستنكرة.
تتراكم كل هذه المعطيات في حياة الطفل/ المراهق في مجتمع نزعت منه عنوة طريقة تعامله الفطرية مع الأشياء من حوله، وأصبح يحكمها الرفض والإنكار والخوف. الحب فيه شبهة، وعواطفه منكرة، ودموعه عيب في عرف الرجال الكبار. ميله نحو الجمال في الملبس والشكل والذائقة يصبح معيارا لرجولة موهومة، فاستبدلت الألوان المبهجة بكل ما يميل للسواد ولون الطين، وأصبح المتطرف منهم والمبالغ في السواد والقذارة ظاهرة عرفت "بالدرباوية" يعانيها المجتمع الآن ويقاومها. حتى في تعامل الأطفال والمراهقين مع الله تعلموا على الخوف منه أكثر من محبته، الخشية من عذابه ومن نار جهنم أكثر من الرغبة في رحمته وفي جنانه، وأصبح الموت لنيل شهادة أو خلاص من حياة "دنيا" غاية قد يبذل لها حياته كاملة.
حل مشكلة الاعتداء على أسرة التعليم وقلة الاحترام التي يعاني ويشتكي منهما المعلمون والمعلمات مؤخرا تتوزع مسؤوليتها بين عدة جهات: الأولى من الأسرة المحضن الأول للطفل والذي يستقي منه مبادئه الأولى في الحياة وأبجديات تعامله مع المحيط الخارجي، التربية الواعية المبنية على الاحترام بين أفراد الأسرة الواحدة. القيم والأخلاق بذور يمكن غرسها في النشء بسهولة، ولو لم تؤت ثمارها إلا لاحقا. تقويم سلوك الأطفال بالعطف والاحتواء والمتابعة برفق ومحبة سيصنع شخصية سوية قادرة على التعامل مع الآخرين باحترام وتفهم. الابتعاد عن الاستخفاف بشخصياتهم وممارسة العنف اللفظي والنفسي بحقهم، حتى لا نسهم في خلق وحوش يتحينون الفرص للانقضاض على الآخرين، وتفريغ ما انطوت عليه أنفسهم من عنف مضاد. على الأبوين أيضا متابعة ما يشاهده أطفالهم وما يلعبون به في أجهزتهم، ومن يهتمون بمتابعتهم من مشاهير الإعلام الجديد، وألا يعتمد تصويب الخلل في هذا الجانب على المنع والحرمان، بل على تبيان الصواب من الخطأ، وزرع ثقافة الرقابة الذاتية في أنفسهم صغارا.
لن يكتمل هذا الجانب من الأسرة إذا وجد إلا بعمل رديف من المدرسة التي يأتي دورها ثانيا في المساهمة في نزع العنف من سلوك الأطفال والمراهقين في مدارسنا. المعلم الذي يتعامل مباشرة مع التلاميذ يقع عليه عبء كبير في التعامل مع مختلف الشخصيات والخلفيات التربوية المتباينة، لكنه قادر على استيعابها واحتوائها متى ما تعامل معها باحترام ورحمة، ولن تنزع هاتان الخصلتان من أي تعامل إنساني إلا وحلّ بدلا عنهما العنف والاستخفاف. ردات فعل الأطفال والمراهقين بالإمكان التحكم بها حينما تقابل باحتواء وتفهم، ولكن هذا الأمر قد يصبح صعبا مع الأعداد الكبيرة التي يتعامل معها المعلمون، أو التي لا يبالي بعض المعلمين في منحها للصغار بين يديه، لذا تصبح الإدارة المدرسية مخولة بتصحيح السلوك وتقييمه بوسائل مختلفة، والذي كلما اتجه نحو التعامل الإنساني ربما أصبح أجدى وأكثر احتواء لخلل ما ارتكبته الأسرة في تربية أبنائها.
كل ما تقدمه الأسرة والمدرسة ينبغي أن يوضع في إطار اجتماعي موثق بأنظمة وقوانين تحكمه وتقيد المتجاوز منه، فوجود قوانين رعاية الأسرة والحماية من الإيذاء والعنف المطبقة فعليا وبصرامة ستكون سببا في امتصاص بعض المشكلات التي تفرز تجاوزا سلوكيا يميل نحو إيذاء الآخرين. وفي المدرسة ينبغي فرض قوانين وأنظمة تحكم سلوك الطلاب وتراعي احترام المعلم، الذي يجب أن يبدي الاحترام هو الآخر للطلاب بأنظمة مماثلة. وعلى هذه الأنظمة التعليمية أن تقوم على مبادئ تربوية ونفسية واجتماعية تراعي المراحل العمرية المختلفة للطلاب والواقع الاجتماعي، وأن تكون متواكبة مع المتغيرات التي تطرأ على الحياة عاما بعد آخر، ليجد الطالب في المدرسة بيئة جاذبة، إن لم يبادلها ومن فيها العطاء يبادلها الاحترام على أقل تقدير.

عبير العلي

 

 

جريدة الوطن: الثلاثاء 01 صفر 1438 هـ - 01 نوفمبر 2016م

   

 
جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل ل

مكتبة الفيديو

الدخول والزيارات 

حجز موعد بالعيادات الخارجية

 مواقع ذات علاقة

اتصل بنـا

©

جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض - إدارة الصحة الإلكترونية  2003 - 2019