مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
 

 

 

 
الصحة النفسية

 

     رسالة المجمع
   الدخول والزيارات
    موضوعات اجتماعية
    إدارة التغذية
    أقسام مجمع الأمل
   مقالات علميـــة
    إدارة التدريب
    البرامج العلاجية
    البرامج الوقائية


نسخة للطباعة
 

مرضى خلف أبواب المستشفيات النفسية لعشر سنوات وذووهم يغيرون عناوينهم تهرباً من استلامهم
 


 

 

د. محمود عبد الرحمن

خالد الشهراني

مفهوم "خاطئ" يقود حتما إلى سلوك "خاطئ" أيضا، ولا نغالي إذا قلنا سلوك "قاس" في بعض الأحيان.
وهل هناك أقسى من أن تُدخِل أسرة أحد أبنائها المستشفى بسبب مرضه النفسي، ثم تنساه.. فإذا تحسنت حالته، وحان موعد مغادرته رفضت استقباله؟!
الأطباء والاختصاصيون يؤكدون أن رفض الأسر لأبنائها المرضى يأتي دائما مقرونا بالعديد من الحِيَل والحجج.
فهذه أسرة غيّرت عناوينها وأرقام هواتفها حتى لا يتوصّل إليها أحد. وأخرى تتعلل بعدم قدرتها على رعايته. وثالثة تصر على عدم استقباله حتى لو ذهبوا به إليها في إجازة علاجية قصيرة. ورابعة تدّعي أن المريض "خطر" على نفسه، وأسرته، وجيرانه.
الرفض الأسري تسبب في "تكدس" المرضى النفسيين، حتى إنه يوجد من "يحتكر" سرير المستشفى فترة تمتد إلى 10 سنوات في بعض الحالات.
الأطباء والخبراء والاختصاصيون يطالبون بتفعيل دور المؤسسات الصحية، لتقديم خدمات العلاج النفسي المبكر، والتخفيف عن المستشفيات.
ويؤكدون أهمية توعية الأسرة بأن المريض النفسي قابل للشفاء، والعودة للاندماج في الحياة الطبيعية.
ويحذرون من أن طول بقاء المريض في المستشفى بعد تحسن حالته يهدده بالانتكاس، وعودة المرض مرة أخرى.
ويدعون إلى الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في علاج الحالات المرضية الخفيفة بالعيادات الخارجية.
في هذا التحقيق نتعرف على أبعاد المشكلة، والحلول والمعالجات المقترحة لها.
بداية.. يمكننا رصد عدة أسباب وراء هذه المشكلة، أولها: نقص الوعي بين أفراد المجتمع بحقيقة المرض النفسي، وأنه مثل أي مرض عضوي يصاب به الإنسان، كما أنه يختلف في حدته ودرجته بين البسيط والشديد.
وثانيها: الاعتقاد بأن علاج المرض النفسي يقتصر على "التنويم" دون أي اعتبار لدور الأسرة والمجتمع.
وثالثها: عدم تعاون الأسر مع المراكز العلاجية باستلام ذويهم الذين تحسنت أحوالهم، وعدم التوصل إلى الأسرة بسبب تغيير عناوينها، أو التعلل بعدم القدرة على رعاية المريض في المنزل، وانتشار ظاهرة المرضى المزمنين في المراكز العلاجية نتيجة لذلك كله.
الحكومة وفّرت أكثر من 3000 سرير موزعة على مختلف مناطق المملكة، إلا أن المشكلة مازالت قائمة، بسبب الزيادة المضطردة في أعداد المرضى النفسيين، نتيجة لتقلبات الحياة اليومية، في الوقت الذي لا يُغادر فيه المستشفيات إلا أعداد قليلة جدا.
مفهوم خاطئ
الدكتور محمود عبدالرحمن استشاري طب المجتمع ومستشار التخطيط والتطوير بمجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض يُرجع الأسباب الحقيقية لمشكلة "الأَسِرّة" المخصصة لعلاج المرضى النفسيين إلى أن هناك مفهوما خاطئا بين الكثير من الأسر عن طبيعة المرض النفسي ومراحل العلاج.
ويجزم بأن بعض الأسر لا تكتشف إصابة أحد أفرادها بالمرض إلا في مراحل تدهور الحالة، ولا تلجأ للمتخصصين منذ البداية، ظناً منها أن أسباب المرض عضوية، مستبعدة بذلك المرض النفسي.
ويقول: إن الأسرة تطلب المساعدة بوسائل شتى عدا التوجه للمتخصصين في هذا المجال، الأمر الذي يشكل عبئا على المستشفيات النفسية، حيث تصل الحالة في مراحل متقدمة تستلزم "التنويم" ومدة بقاء أطول.
ويشدد على أن الحالة لو اكتشفت في الوقت المناسب لكان من الممكن أن تعالج عن طريق العيادات الخارجية.
رفض اجتماعي
ويتوقف أمام قضية مهمة بقوله: هناك ما يمكن اعتباره "العبء الأكبر" في هذه المشكلة، ذلك أنه بمجرد علم الأسرة بحالة المريض يتجه تفكيرها إلى أن حالته مزمنة لا يُرجى تحسنها.
ويضيف أن الأسرة ترى ـ من خلال بعض خبراتها ومعاناتها من أعراض المرض ـ أن المكان الطبيعي للمريض هو المستشفى، وأنه لا يجوز أن يتركه، وتبدأ رفض المريض اجتماعيا حتى بعد تحسنه.. وهذا يمثل أحد أسباب المشكلة.
ويُوضّح أن وراء أزمة عدم وجود أَسِرّة غياب تفعيل دور المؤسسات الصحية التي تستطيع تقديم خدمات المعالجة النفسية عن طريق العيادات الخارجية.
ويؤكد أن مشاركة تلك المؤسسات يُحقّق هدفين، الأول: تَحمّل دور في هذه المشكلة: والثاني: تشجيع المجتمع على طلب العلاج المبكر من خلال المؤسسات، حيث تقل عملية مراجعة المستشفيات النفسية.
ويشير إلى أن رفض الأسرة استلام مريضها المتحسن، وحرصها على إبقائه داخل المستشفى أسهما في بقاء المرضى بالمستشفيات فترات طويلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سوء استغلال
يكشف الدكتور محمود عبدالرحمن أن متوسط بقاء المرضى المزمنين في مجمع الأمل بالرياض، على سبيل المثال، بلغ أكثر من أربع سنوات، أما الحد الأدنى لمتوسط البقاء لعموم الحالات فلم يقل عن خمسة أشهر.
ويُوضّح أن هذه الأرقام ليست فقط في المملكة، فقد أشارت منظمة الصحة العالمية في تقريرها إلى أن معظم دول العالم تعاني من سوء استغلال الأَسِرّة المتاحة للتنويم في مجال الأمراض النفسية، وتزيد فترة البقاء في المستشفى في بعض الدول على 20 عاما.
ويطالب وسائل الإعلام بالوفاء بمسؤولياتها تجاه مشكلة نقص الأسرّة في المستشفيات، وذلك بتوجيه رسائل للمجتمع للتوعية بالمرض النفسي، وإزالة الوصمة بالمرض والمريض، بدلاً من إلقاء اللوم على جهة بعينها، لعدم وجود أَسِرّة شاغرة.
ويشدد على أنه إذا تغيرت نظرة المجتمع للمرض والمريض النفسي وخطورته أصبحت الحاجة لتنويم المريض أقل.
اكتشاف مبكر
ويقول: لقد وقفت على عدة حالات كانت الأسرة تصر على تنويم مريضها، وبالتالي تبدأ باختلاق الحيلة تلو الأخرى لتحقيق هدفها، فهناك أسرة تدعي أن مريضها خطير، وحاول الاعتداء بالضرب على الأسرة والجيران، وأخرى تدعي أنه حاول الانتحار.. وهكذا.
ويضيف أننا نأخذ كل ما تقوله الأسرة أو يقوله المريض على محمل الجد، وبالتالي فهناك مرضى من النزلاء في المجمع "منومون" لعدم وعي الأسرة بكيفية التعامل مع مريضها.
ويلفت إلى أهمية تنفيذ الحلول والاقتراحات التي سبق أن نادت بها منظمة الصحية العالمية، خاصة دمج الرعاية النفسية في خدمات الرعاية الصحية الأولية.
ويؤكد أن المركز الصحي يُعدّ خط العلاج الأول الذي يحظى بقبول اجتماعي، ويستطيع لعب دور مهم في مجال الاكتشاف المبكر للمرض.
ويطالب بتفعيل دور المؤسسات الاجتماعية في احتواء بعض الفئات والمراحل العمرية من المرضى المزمنين، تاركةً للمستشفيات النفسية دور معالجة الحالات الحادة وغير المستقرة.
ويشدد على ضرورة قيام المتخصصين بدورهم في توعية الأسر بحقيقة المرض النفسي ومراحل علاجه، إضافة إلى أهمية وجود برامج للرعاية المنزلية، وإبراز دور الأخصائي الاجتماعي في هذا المجال.
نقاهة.. وتأهيل
أما سهيلة المطيري الأخصائية النفسية بمجمع الأمل بالرياض، فتجزم بأن هناك مشكلة تواجه الصحة النفسية بصفة عامة، تتمثل في أن بعض الأسر "تتملص" من احتواء ابنها المريض واستقباله.
وترجع ذلك إلى قلة الوعي بأن المرض النفسي ـ الذي يشبه أي مرض آخر ـ يمكن الشفاء منه، والتحسن والعودة للحياة الطبيعية مرة أخرى. وتشير إلى أن بعض الأسر ترفض استقبال مريضها لخشيتها من "وصمة" المرض النفسي.
الأخصائية النفسية شريفة عثمان الجلاجل تحذر من استمرار عدم تعاون الأسر مع مراكز العلاج بعد تحسن حالات مرضاهم.
وتقول: هناك عدة حالات لها أكثر من عشر سنوات، وضعها متحسن ومستقر، ولكن المشكلة تكمن في أن الأهل يرفضون الحالة، ولا يحضرون لاستلامها، ومنهم من يلجأ لإحضار أمر إبقائها، وهناك أسر تُغيّر أرقام هواتفها، وأخرى تصر على عدم استلام الحالة عندما تذهب إليها مع فريق الخروجات.
وتؤكد أن أفضل الطرق لمواجهة زيادة المرضى النفسيين في مقابل محدودية عدد الأسرّة وتكدس الحالات في المراكز العلاجية هو إيجاد دور لنقاهة المرضى النفسيين، وأن تُحوّل إليها الحالات المتحسنة المرفوضة من الأهل من كبار السن، أما الصغار فينبغي إيجاد دور رعاية لتدريبهم وتأهيلهم لبعض المهن، حتى يشعروا بأن لهم دورا في الحياة.
وتلفت إلى أن بعض الأسر تبالغ، فقد تكون بعض الحالات التي تأتي للإسعاف غير محتاجة إلى تنويم، ويصر الأهل على دخولها المجمع في حين يرى الطبيب أن الحالة لا تستدعي ذلك، في الوقت الذي يجد فيه أن هناك من يحتاج إلى السرير لشدة اضطراب الحالة، أو أن يكون هناك خطر من وجودها مع أسرتها.
من المسؤول؟
الأخصائي الاجتماعي عيسى حسن الفايز يتساءل: من المسؤول عن عدم استجابة الأهل ورفضهم استقبال المريض بعد تحسن حالته؟
ويؤكد أن هناك العديد من الأسباب وراء ذلك، منها المفاهيم الخاطئة لدى البعض، وعدم فهمهم أنظمة المستشفى، ودور الأخصائي الاجتماعي.
ويقول: كثيرا ما يرفض الأهل إخراج مريضهم من المجمع في إجازة قصيرة، خوفاً من عدم إدخاله مرة ثانية، فأقوم بتسليمهم المريض، ثم استلامه منهم، وتبصيرهم بأن إخراج المريض لفترة قصيرة جزء من الخطة العلاجية، وأن ذلك لا يعني خروجاً نهائياً.
ويضيف أنه أحياناً يكون السبب الأساسي خوف الأهل من رفض المريض الرجوع إلى المستشفى، وعدم قدرتهم على إرجاعه، ولذلك أقوم بتعريفهم بأن هناك جهات حكومية يمكن الاستعانة بها كالشرطة ومكافحة المخدرات مثلا.
ويلفت إلى أنه في حالة خروج المريض وعدم قدرة ذويه على إعطائه العلاج يمكن الاستعانة بقسم الرعاية المنزلية، حيث يقوم فريق علاجي من المستشفى بزيارة المريض في منزله، وإعطائه العلاج اللازم.
تصحيح المفاهيم
ويشير الفايز إلى أن هناك صعوبات عديدة تواجه العاملين في مراكز العلاج النفسية.و يؤكد أن مكمن الصعوبة في غياب التواصل مع الأسر، ففي بعض الأحيان يصعب التواصل من الأسرة، لأنها تترك المريض داخل المجمع، وتعطي عناوين وأرقام هواتف خاطئة.
ويوضح أن بعض الأسر ترغب في ترك المريض داخل المؤسسة فترة طويلة، لاعتقادهم أن ذلك في مصلحته، حيث يتلقى العناية الطبية الفائقة التي تعجز الأسرة عن تقديمها له، والبعض يرى أن بقاء المريض لفترة طويلة يساعد على شفائه تماماً من الأمراض النفسية والإدمان.
ويقول: أسعى من خلال الحوار مع أهالي المرضى لتصحيح المفاهيم الخاطئة، فطول فترة بقاء المريض داخل المجمع ـ مثلا ـ قد تجعله ينتكس مرة أخرى، أو يعتمد على المستشفى كبيئة أساسية، فيصبح غير قادر على التكيف مع المجتمع الخارجي، لأنه يفقد الكثير من مهاراته الاجتماعية، الأمر الذي يجعله غير قادر على التواصل مع الآخرين، فيفضل العزلة والابتعاد عن الناس.
تكامل الجهود
هند الحربي الأخصائية النفسية بالمجمع تصف رفض الأهل للمريض بأنه مشكلة كبرى تواجهنا بعد تحسن حالة المريض، وإن لم يكن تحسناً كليا.
وتشدد على أن الخروج لفترة وجيزة في بعض الأحيان من المستشفى يكون ضمن الخطة العلاجية، ولكن هذا الأمر يقابل برفض شديد من الأهل، لعدة أسباب منها تَعوّد الأهل على عدم وجود المريض، بحيث يشعرون براحة في غيابه، ويتخلصون من مسؤولية الاعتناء به، ويضمنون عدم حدوث المشاكل التي من الممكن أن يتسبب فيها.

خالد الشهراني رئيس قسم الخدمة النفسية يؤكد أن أفضل الطرق في علاج المريض النفسي هو تضافر جهود جميع الجهات المعنية، بما فيها الأسرة والتخصصات الطبية والفنية.
ويقول: إذا وجد المريض النفسي الاهتمام، والحرص من الأسرة، وفقاً لما يقترحه عليها الفريق الطبي، وإذا وجد المريض العناية من الفريق الطبي المكون من "طبيب نفسي، وأخصائي نفسي، وأخصائي اجتماعي" أصبحت الحاجة للتنويم مقتصرة على بعض الحالات الحادة فقط.
ويشدد على أن تنويم الحالات الحادة يكون لفترات قصيرة تتفاوت حسب احتياج الحالة وتجاوبها مع العلاج، مؤكدا أن حقيقة العلاج ليست في التنويم، وإنما بالعمل كفريق، وهذا ما دلت عليه الدراسات العلمية.
ويضيف أن وعي الأسرة من أهم الحلول لتخفيف الضغط على المراكز العلاجية. ويقول: لو نظرنا إلى تجارب الدول المتقدمة نجد أن هناك تركيزا على علاج كثير من الحالات في العيادات الخارجية، وليس العكس الذي هو مطبق لدينا.
 

 
 

جريدة الوطن: السبت 22 ذو الحجة 1429هـ الموافق 20 ديسمبر 2008م العدد (3004) السنة التاسعة

   

 
جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل ل

مكتبة الفيديو

الدخول والزيارات 

حجز موعد بالعيادات الخارجية

 مواقع ذات علاقة

اتصل بنـا

©

جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض - إدارة الصحة الإلكترونية  2003 - 2019