|
|
|
||||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||||
|
بسم الله الرحمن الرحيم مراقي السعداء في منازل عبادة الضراء
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عمل، وأشهد ألا
إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسماءه الحسنى
وصفاته العلى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله قدوة المبتلين في الصبر
والرضا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ وسلم
تسليماً كثيراً، أما بعد:
الإبتلاء سنة إلاهية كونيَّة قدرَّية، يبتلى الله عز وجل عباده
المؤمنين ليكفر السيئات، أو ليعجل في الدنيا العقوبات، أو لغير ذلك من
الحكم البالغات، ويبتلي الكفار عقوبة على الكفر والمظلمات قال
تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف
والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) وقال جل
وعلا: ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض
الذي عملوا لعلهم يرجعون ) والابتلاء كما يكون بالشر يكون بالخير، فالأول
مناطه الصبر، والثاني مناطه الشكر، ومن ابتلي بالضراء فرزق الصبر كان ذلك
نعمة عليه في دينه، وحصل له من تكفير خطاياه رحمه، وحصل له بثنائه على
ربه صلاة ربه عليه، قال تعالى (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة
وأولئك هم المهتدون)
سورة البقرة: (157)
وقال صلى الله عليه وسلم " ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا
حَزَنٍ ولا أذىً، حتى الشوكة يشاكها إلا كَفر الله بها من خطاياه "
متفق عليه .
وليعلم بأن من نعمة الله عز وجل على عباده أن جعل لهم أموراً تعين
على الصبر على البلاء
مهما عظم،
أولهـا: العلم بعظم الأجر والمثوبة التي اعدها الله عز وجل للصابرين،
قال تعالى: ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب )
وثانيها: العلم بحسن عاقبة الصابرين في الدنيا بتكفير السيئات،
وباستفراغ الأدواء المهلكات من الكبر والعجب وقسوة القلب حتى إذا
هذَّبهم وصفاهم أهلهم لأشرف مراتب الدنيا وهي العبودية،
ورقاهم لأرفع ثواب الآخرة وهو
رؤيته جل وعلا .
وثالث الأمور المعينة على الصبر: العلم بأن البلاء ليس خاصاً بأحد بل
هو سنة الله في خلقه .
ورابعها: العلم بأن الأمور مقدرة، فما أصابك لم يكن ليخطئك وما اخطأك
لم يكن ليصيبك ,قال تعالى ( قد جعل الله لكل شيء قدراً ) ولله الحكمة
البالغة .
وخامسها: العلم بأن الحزن والتضجر والاعتراض يسخط رب الأرض
والسماء، ويشمت الأعداء، ويسوء الاصدقاء .
ومن تدرج في منازل السعداء ووصل بعد الصبر إلى الرضا فذلك الخير كله،
والرضا منزلة عزيزة قال بن أبي وقاص رحمه الله في قول الله جل وعلا
(ما أصاب من مصيبةٍ فبإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء
عليم) التغابن:
١١
قال: هي المصيبة تصيب الرجل
فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى، وقال بعض السلف: "لئن يقرض
جسمي بالمقاريض أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله ليته لم يقضه" والراضون هم المخبتون الذين قال الله عز وجل فيهم (وبشر المخبتين) قال
سفيان الثوري رحمه الله: " المخبتين: المطمئنين الراضين بقضاءه
المستسلمين له".
وإن من تمام نعمة الله على عباده المبتلين إذا أنزل بهم الشدة والضراء
أن يوفقهم للدعاء وعظيم الرجاء وتعلق القلب بالله جل وعلا والتوكل عليه
وإحسان الظن به، وحلاوة الإيمان وطعمه، وهذه أعظم نعمةً من زوال المرض
أو الخوف أو حصول السعة في المعيشة وزوال عسرها وضيقها فإن هذه لذات
بدنيه ونعم دنيوية قد يحصل للكافر منها أعظم مما يحصل للمؤمن، أما ما
يحصل للموحدين المخلصين لله الدين، فأعظم من أن يعبر عنه بمقال أو
يستحضره بال، ولكل مؤمن من ذلك نصيب على قدر إيمانه بالله الكبير
المتعال، وصدقه مع ربه ذي
العزة والجلال، وهذه المنازل الإيمانية والعبادات القلبية لا تنافي
الأخذ بالأسباب فان من أنكر الأسباب لم يستقم معه التوكل، ومن تمام
التوكل عدم الركون للأسباب وحدها .
ثم أن المبتلى على موعد مع منزل عظيم من منازل عباده الضراء، ألا وهو
انتظار الفرج وان طال البلاء، انتظار الفرج .. عبادة من أجل القربات
فليتيقن العبد المبتلى بأن مع العسر يسراً وأن مع الكرب فرجاً، قال
تعالى:
( سيجعل الله بعد عسرٍ يسراً ) وقال تعالى ( فإن مع
العسر يسراً )
ولن يغلب العسر الواحد يسرين، وقال بعض السلف: "لو دخل
العسر جحراً لتبعه اليسر".. وهذا نبي الله يعقوب لما صبر على ما أصابه
من فراق ابنه لجأ إلى الله علام الغيوب وقال:
( فصبر جميل )
يوسف: ١٨
فتحقق له وعد ربه فأعاد له بصره الذي ذهب وابنه الذي فقد، وجمع شمله
ببنيه أجمعون، وهذا يوسف عليه السلام
فإنه بعد كل المصائب والمحن التي مر بها وصبر عليها واحتسب
اجرها أتاه الفرج والنصر، كما قال تعالى: (قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله
لا يضيع أجر المحسنين)، وهذا
أيوب عليه السلام لما صبر على البلاء آتاه الله خيراً عظيماً قال تعالى: (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسني الشيطان بنصبٍ وعذابٍ)
قال تعالى: ( أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ) وإذا
اشتد الكرب وعظم الخطب وتناهى الصعب، وحصل للعبد اليأس من كشفه من جهة
المخلوقين تعلق قلبه بالله وحده وهذا هو حقيقة التوكل على الله عز وجل
. أما إذا تأخر الفرج وطال البلاء فيعلم المبتلى بأن الله عز وجل له
حكم عظيمة فلعل الله عز وجل يريد أن يكفر السيئات ويرفع الدرجات،
ولتسكن نفسه، وليطمئن قلبه، وربما كان ما يكرهه هو عين الكرامة في حقه،
كما قال تعالى: (وعسى أن
تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم
وأنتم لا تعلمون). ثم انه بتأخر الفرج يلومُ العبد نفسه ويقول لها: "إنما أوتيت من قبلك"! وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنه أهل لما نزل به من البلاء، فلذلك يسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء، وينفرج الكرب من الله جل وعلا.
اللهم فرج هم المهمومين من المؤمنين، ونفس كرب المكروبين، واقضِ الدين
عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين.
وآخر دعوانا أن ِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على
نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
حمد بن مرزوق الروقي
|
||||||||||||||||||||||||||