البرمجة العصبية اللغوية بين الحقيقة والواقع والخيال
(NLP) هل هي منهج علمي أم وثنية جديدة أم ضلال وشعوذة ودجل؟

 د. مليباري: (NLP) أسلوب متميز لبيع الدورات التدريبية على المتوهمين
 د. الصغير: البرمجة اللغوية العصبية لها فوائد عديدة للإنسان ولا تتعارض مع الشرع
الشيخ الشايع: سلبياتها أكثر من إيجابياتها.. وطلاب العلم دخلوها من أجل (أسلمتها)
الباحثة فوز: لا للـ NLP ونعم للإرشاد النفسي الاجتماعي الصحيح

كثرت في الآونة الأخيرة التجاوزات والتخبطات في فهم وممارسة البرمجة اللغوية العصبية المسماة NLP مما حدا بالبعض إلى التحذير منها ومن آثارها العقدية والأخلاقية فيما وقف ممارسوها دفاعاً عنها فمن مراكز تعلن عن دورات في البرمجة إلى متدربين يحضرون دورات البرمجة ويحصلون على شهاداتها ومنهم من يتوقف عنها ومنهم من يواصل دراسته فيها ومنهم أيضاً من يعجب بالبرمجة وأهلها ومنهم من يستخف بها وبعلمها بل إن البعض من المعجبين بها قد بالغوا في تعظيم شأنها حتى جعلوها تعالج كل شيء. ورغبة منا في طرح هذا الموضوع أمام المتخصصين والقادرين على فهم زواياه وخفاياه قمنا في مجلة الأمل بالإعداد لهذا التحقيق الذي تجتمع فيه الأطراف المعنية لمناقشة موضوع البرمجة اللغوية العصبية والتي تعرف بأنها استخدام اللغة في برمجة الذهن بما فيه من مشاعر وأفكار ومشاهد ذهنية وقيم وقناعات تنعكس على السلوك والتصرفات وهذا هو نص التحقيق:

في البداية يتحدث الدكتور عبد الغني محمد مليباري الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز بجدة ويقول: البرمجة اللغوية العصبية على ما بدا حتى الآن - بعد دراسة وتقص - ليست من الفكر الذي أصله عقدي كما في االميكروبيوتك والريكي والتشي كونغ وسائر تطبيقات الطاقة إلا أنها البوابة لكل هذه الأفكار من وجه، ومن وجه آخر فقد داخلتها - في بعض تطبيقاتها - لوثات مختلفة من أديان الشرق، ثم أنها تقود في مستوياتها المتقدمة - ما بعد مستوى المدرب - إلى مزيج من الشعوذة والسحر فيما يسمى بالهونا والشامانيه التي هي أديان الوثنية الجديدة في الغرب، وسنقف وقفة موضوعية مع البرمجة العصبية اللغوية تحددها ثلاثة محاور، الأول يتضمن وقفة مع المنهج العلمي، والثاني مع وقفة مع الآثار الاجتماعية، أما الأخير فيشكل وقفة من منظور العقيدة الإسلامية.

أولا: وقفة مع المنهج العلمي Scientific Method

لابد من هذه الوقفة مع المنهج العلمي للنظر في تقييم الوافدات المتوشحة بلباس العلم لتكون النظرة التقويمية لها صحيحة مؤصلة، حيث يتميز المنهج العلمية بدقته وموضوعيته، ويقصد بالمنهج العلمي تلك الإجراءات التي أجمع العلماء على استخدامها عبر العصور، لتكوين تشكيل أو تمثيل صحيح لما يجري من وقائع وظواهر في العالم.

إنه من الأخطاء الكبيرة عدم إجراء التجارب (عدم وضع الفرضية تحت الاختبار)، وبالتالي الخروج بنظرية من المشاهدات اعتماداً على المنطق البسيط والإحساس العام (الانطباع).

وليست الوقفة مع المنهج العلمي في تقويم هذه الوافدات من قبيل التكلف والتعسف كما يدعي البعض فالإسلام يدعونا إلى المنهجية العلمية بدعواته المتنوعة المتنوعة للتأمل للتأمل والتفكر والعلم والتعقل والتذكر، وقد وضع العلماء المسلمون أصول المنهج العلمي الصحيحة سواء في ما يتعلق بالعقل أو النقل. وبالنظر للبرمجة اللغوية العصبية في ضوء هذه الوقفة مع المنهج العلمي نجدها تفتقر إليه في عمومها وأغلب تفصيلاتها، وربما لهذا لم تلق ترحيبا في الأوساط العلمية في معظم دول العالم ولاقت رواجا حيث تكون سطحية التفكير والرغبة في الجديد والرغبة في الوصفات السريعة وتفصيل نقدها من الناحية العلمية يمكن تلخيصه فيما يلي:

ـ كثير من المشاهدات التي بنيت عليها فرضيات NLP ليس لها مصداقية إحصائية تجعلها فرضيات مقبولة علمياً.

ـ تعامل الفرضيات وتطبق ويدرب عليها الناس على أنها حقائق رغم أنها لا ترقى لمستوى النظرية.

ـ نظرياتها مقتبسة من مراقبة بعض الظواهر على المرضى النفسيين الذين يبحثون عن العلاج، ثم عممت على الأصحاء الذين يبحثون عن التميز.

ـ أكثر روادها من القادرين على دفع رسومها: الباحثين عن الحلول السريعة Quik fix. بدلا عن العمل Hard Work.

وأنا هنا أقدم تقيمين اتبعا منهجاً علمياً في نقدهما للبرمجة: الأول هو التقويم المقدم للجيش الأمريكي من الأكاديميات القومية ففي عام 1987م بعد انتشار دورات تطوير القدرات رغب الجيش الأمريكي في تحري الأمر فقام معهد بحوث الجيش الأمريكي The US Army Research Institute بتمويل أبحاث تحت مظلة "تحسين الأداء البشري" على أن تقوم بها الأكاديميات القومية US National Academies التي تتكون من كل من الأكاديميات القومية للعلوم والهندسة والطب والبحث العلمي، وتعتبر هذه الأكاديميات بمثابة مستشارة الأمة الأمريكية، وقد تكونت من هذه الأكاديميات مفوضية العلوم الاجتماعية والسلوكية والتعليم، ثم تم تكوين فريق علمي كان اختيار أعضائه على أساس ضمان كفاءات خاصة، وضمان توازن مناسب، وعهد لمجموعات مختلفة مراجعة البحوث حسب الإجراءات المعتمدة لدى أكاديميات البحوث الأربعة، قدم الفريق ثلاثة تقارير:

الأول في عام 1988م، والثاني في عام 1991م، والثالث في عام 1994م وقد قدم التقرير الأول تقويماً للعديد من الموضوعات والنظريات والتقنيات منها البرمجة اللغوية العصبية التي ذكر عنها ما نصه: "إن اللجنة وجدت أنه ليس هناك شواهد علمية لدعم الادعاء بأن الـ NLP استراتيجية فعالة للتأثير على الآخرين، وليس هناك تقويم للـ NLP كنموذج لأداء الخبير".

واستمر البحث والتحري في مجال "تحسين الأداء البشري" وبعد ثلاث سنوات يشيد التقرير الثاني بنتائج التقرير الأول والقرارات التي اتخذها الجيش الأمريكي بخصوص عدد من التقنيات السلبية ومنها الـ NLP حيث أوصى بإيقاف بعضها، وتهميش بعضها، ومنع انتشار البعض الآخر.

وبعد ثلاث سنوات أخرى اكتفى ا لتقرير الثالث ـ نصاً ـ في موضوع البرمجة اللغوية العصبية بما قُدم في التقريرين الأول والثاني.

والثاني: صاحبه الدكتور"روبرت كارول" أستاذ الفلسفة والتفكير الناقد بكلية ساكرمنتوا" الذي قال: "رغم أني لا أشك أن أعداداً من الناس قد استفادوا من جلسات الـ NLP إلا أن هناك العديد من الافتراضات الخاطئة أو الافتراضات التي عليها تساؤلات حول القاعدة التي بنيت عليها الـ NLP. فقناعاتهم عن اللاوعي والتنويم والتأثير على الناس بمخاطبة عقولهم شبه الواعية لا أساس لها. كل الأدلة العلمية الموجودة عن هذه الأشياء تُظهر أن ادعاءات الـ NLP غير صحيحة. فبرغم تراجع الجيش الأمريكي عنها بعد تجربتها، وعدم إيمان كثير من الشركات بها، وعدم الاعتراف بها كعلم في الجامعات ولا كعلاج في المستشفيات يقبل عليها جماهير المفتونين من المسلمين (راجع في ذلك مقالة منشورة في مجلة النيويورك تايمز في عددها الصادر 29 سبتمبر 1986م في مقالة بعنوان "المبادئ الروحية تجتذب سلالة جديدة من الملتزمين").

فهذه شهادة بعض أهلها فيها، وهذه نتائج تحريات جهات من أفضل الجهات العلمية، وفي بلد من أبرز البلاد تقدما في منهجيات البحث والتحري، وصدق ابن القيم عندما قال معلقا متعجبا بعد ذكره للأحاديث والآثار المحذرة من التشوف لما في كتب أهل الكتاب من أدبيات أو فوائد وأخلاقيات فقال: "فكيف لو رأى اشتغال الناس بزبد أفكارهم وزبالة أذهانهم عن القرآن والحديث".

ثانياً: وقفة مع الآثار الاجتماعية للـ NLP

أأشاع انتشار الدورات في البلاد فوضى عارمة كما صرح بذلك كثير من التربويين والمسئولين الذين يبذلون جهوداً حثيثة لإيقاف هذه الفوضى فقد سرّبت الـ NLP إلى أيدي عامة الناس ومنهم طلبة دون سن النضج بعض تقنيات التنويم والعلاج بالإيحاء وغيره من الأدوات الخاصة بالأطباء والمرشدين  النفسانيين الذين يؤهلون تأهيلا علميا وافيا قبل أن يعتمدوا كمرشدين أو أطباء نفسانيين من الجهات الرقابية المسئولة، وقد تحول نتيجة لانتشارها السريع عدد من المرضى النفسانيين بعد عدد من الدورات إلى مرشدين نفسانيين واجتماعيين!!!! وهم الذين كانوا ومازالوا فاشلين في دراستهم، ومنهم فاشلون في حياتهم الأسرية والوظيفية إلا أنهم حققوا نجاحاً منقطع النظير في التدريب والمعالجة بتقنيات الـ NLP! كما أن كثيراً منهم في الطريق إلى تحقيق ثروة هائلة حيث تنتشر دوراتهم دون أن يتكلفوا هم مسؤوليات إنشاء المؤسسة أو المركز، ويكثر الإقبال على معالجتهم بعيداً عن العيادات المرخصة؟!

وتبقى نقطة أخيرة في هذه الوقفة الاجتماعية فثمة أمر خطير نتج عن هذا الوافد الغريب "البرمجة اللغوية العصبية" وهو أثر أخلاقي نتج عن كثرة اختلاط الرجال بالنساء وإن كان بفاصل مكاني حيث طبيعة التدريب ومادته تتطلب التواصل ودوام التفقد، وطبيعة المعالجة النفسية والاجتماعية تتطلب ألفة واندماجا ومصارحات أدت في حالات كثيرة إلى مفاسد لا ينكرها إلا مكابر.

وقد ظهر في المجتمع المسلم من جراء البرمجة وأخواتها من ينادي بالسفر خارج الجسد OBE ومن يزعم أنه اعتمر وهو في فراشه، مما جعل أحد الأطباء النفسانيين يقول: إننا ربما نسمع في القريب أن "مرض انفصام الشخصية" حالة مثالية، ويتصدى للتدريب عليها أهلها الذين هم المرضى وهم الأطباء؟! ولا نعلم ماذا تخبئ الأيام إن لم يتدارك المسئولون هذا الأمر الخطير، ويتفطن لأبعاده المفتونون.

ثالثاً: وقفة مع البرمجة اللغوية العصبية من منظور شرعي عقائدي، فمن المعلوم الثابت عقلا ونقلا أنه كما قال ابن تيمية من شأن الجسد إذا كان جائعا فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام آخر، حتى لا يأكله إن أكل منه إلا بكراهة وتجشم، وربما ضره أكله، أو لم ينتفع به، ولم يكن هو المغذي له الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته، قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع، فإنه تعظم محبته له ومنفعته به، ويتم دينه، ويكمل إسلامه).

أما الباحثة فوز بنت عبد اللطيف كردي فتقول: ثمة أمر خطير وهو أن رواد هذا العلم الغربيين إن صح تسميته علما هم دعاة الوثنية الجديدة (الهونا – الشامانية)  التي تدعو أولا إلى تفعيل القوى الكامنة عن طريق الإيحاء والتنويم لتمام القدرة على التغيير من خلال التعامل مع اللاوعي وتنتهي بالاستعانة بأرواح السلف ـ بزعمهم ـ والسحر وتأثيرات الأفلاك، وإن كان ذلك ربما يسمى قوى النفس والقوى الكونية عند المدربين من غير المسلمين الذين ليس لهم أثارة من علم النبوات الصحيح عن العوالم الغيبية وليس لهم حجة بيضاء ينطلقون منها.

فالبرمجة اللغوية هي الخطوة الأولى في طريق دورات الطاقة وما يتبعها من استشفاءات شركية بخصائص مزعومة للأحجار والأشكال الهندسية والأهرام ورياضات استمداد الطاقة الكونية "الإلهية" المزعومة، ومن ثم فإن سلم بعض الداخلين في البرمجة من آثارها السلبية على الفكر والمعتقد إلا أنهم فتحوا الطريق لغيرهم ممن سيتبع خطاهم إلى طريق لا يعلم منتاه إلا الله، وصدق ابن عباس رضي الله عنهما "من أخذ رأيا ليس في كتاب الله ولن تمض به سنة رسول الله لم يدر على هو منته إذا لقي الله"، وحيثما تغيب المنهجية العلمية ويضعف التقدير لكنوز النقل تتفشى السطحية وتظهر التبعية ويكثر الدجل.

ومن هنا فإنني أذكر العقلاء من هذه الأمة أننا نعيش فتنا كقطع الليل المظلم تجعل الحليم حيران، مما يتطلب تحريا دقيقا   بعيدا عن تدليس المفتونين بهذه الوافدات ولو كانوا أهل الصلاح ودعوة أو صمتا منجيا بين يدي الله عز وجل. فالطريق وعرة خطرة أولها مستويات أربعة للبرمجة اللغوية العصبية قد لا يظهر فيها ذلك الأمر الخطير (خصوصا إذا كان المدرب حريصا على أسلمتها) ولكن بعد تألفها النفوس وتأخذ منها نهمتها تكن النهاية مروّعة فقد تكون خروجاً من كل عقل ودين كما حدث للفلاسفة القدامى أو بعضهم عبر مستويات دورات الهونا والشامانية التدريبية. ومما ينبغي التنبه له أن هذه الأفكار الوافدة لا يظهر خطرها منذ البداية كسائر البدع قال أحد السلف: "لو كان صاحب البدعة إذا جلست إليه يحدثك ببدعته حزرته وفررت منه ولكن يحدث بأحاديث السنة في بدء مجلسه، ثم يدخل عليك ببدعته فلعلها تلزم قلبك. "فمتى تخرج من قبلك". ثم أن تقنية هذه الأفكار مدروسة بعناية كسائر تقنيات "New Age" العصر الحديث الذين يشكلون طائفة ذات أثر ودين جديد في الغرب لا يهتم أصحابة بما يوجد أو يتبقى في أذهان أتباعهم من أفكار الديانات السماوية وغيرها، وإنما يهتمون بما يضاف إليه من أفكار حيث يثقون أن منهجهم الجديد والزمن كفيلان بترسيخ المفاهيم الجديدة وتلاشي المفاهيم القديمة.

ومن هنا فإنني أوجز رأيي في البرمجة اللغوية العصبية في جملة واحدة هي "لا للـ NLP  ونعم للإرشاد النفسي والاجتماعي الصحيح".

أما الدكتور محمد الصغير الأستاذ المشارك في الطب النفسي بكلية الطب في جامعة الملك سعود والمدرب المعتمد من الاتحاد العالمي للبرمجة العصبية واللغوية فيقول: إن البرمجة اللغوية العصبية لها فوائد عديدة في حياة الإنسان لا تتعارض مع الشرع وإن في بعض مناهج البرمجة مداخل ومثالب عقدية وعلمية وأخلاقية يمكن تمحيصها وبيانها وعزلها عن البرمجة دون الإطاحة بفكرة البرمجة الأساسية وأن تصور حقيقة البرمجة لا يتم من خلال قراءة مذكرة مدرب قد يكون لديه تصورات أو ممارسة مغلوطة.

والبرمجة رغم نشأتها في أحضان غربية بين مناهج نفسية وفكرية مغلوطة وتأثرها بتلك المؤثرات يمكن عند التعمق في فهمها أن ينقحها المسلمون وأن يستثمروها استثماراً حسناً في مجالات شتى (في التعليم والتربية والعلاج النفسي والعلاقات العامة وأي مجال يتناول الإنسان بمشاعره وتفكيره وإدراكه وسلوكه وعلاقاته).

البرمجة والقدرية

ويشير الدكتور الصغير إلى أنه يتصور بعض أهل البرمجة أن البرمجة تمكن الإنسان من التحكم في قدره ومصيره بعيداً عن تقدير الله فيقولون إن المتفائل شخص برمج نفسه على النجاح فوجده حتماً والمتشائم عكسه تبرمج علي الفشل فوجده حتماً وأن تحقيق الناجح للنجاح مرهون فقط (وفقط) بقدرته على برمجة نفسه على النجاح فجعلوا البرمجة تقتضي مصارعة القدر ومغالبة قضاء الله تعالى في الكون وكأن الإنسان مستقل بفعله بعيدا تماماً عن مشيئة الله تعالى الذي يقول: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله}.

فالخلاصة أنك قد تجد من أبناء المسلمين من يتعلم البرمجة فيفهمها فهم القدرية بطريقة لا واعية وذلك لكثرة ما عايش الجبرية اللاواعية بينما يمكن البرمجة بدون مفهوم القدرية هذا. ومما يرسخ مفهوم القدرية هنا لدى البعض أمور عدة:

1ـ النتائج التي قد يلمسونها في واقعهم عند نبذ الجبرية اللاواعية والانتقال من الفشل إلى النجاح.

2ـ الانبهار بالبرمجة ومدربيها وما يقولون وما يفعلون وما يقصون وما يكتبون.

3ـ قلة وعي كثير ممن دخلوا البرمجة بالأبعاد العقدية أو الفلسفات الفكرية أو المدارس النفسية التي اقتبست منها البرمجة.

البرمجة والعقل الباطن

 ويؤكد د. الصغير أن من الملحوظات العقدية تعظيم شأن العقل الباطن وجعله فوق مستوى القدرات الإنسانية. فالبعض يتصور أن العقل الباطن يملك قدرات لا متناهية وغير محدودة (وإن كان غالب من يقول ذلك يقصد المبالغة في تصوير تلك القدرات لا حقيقة كونها غير محدودة).  والبعض يتصور أن العقل الباطن قادر على كشف حجب الغيب بشكل أو بآخر (وهذا التصور له جذور في فكر فلاسفة اليونان وما ذكروه عن العقول الكونية والأفلاك ونحو ذلك). والبعض يظن أن العقل الباطن قادر (متى شاء هو باختياره المحض) أن يشفي من الأمراض المستعصية لدى صاحبه فبمجرد إرضاء العقل الباطن واقتناعه يستطيع أن يتحكم في مصير وقدر صاحبه.

البرمجة والمشي على الجمر

ويضيف قائلاً: من الملحوظات أيضاً المشي على الجمر وهذا الأسلوب ليس من البرمجة وإنما من اهتمامات أنتوني روبنز واستعراضاته التي أقحمها في البرمجة وروبنز له كتابات جيدة في البرمجة هي عبارة عن تلخيص أفكار غيره ولكنهم لم يكونوا يمشون على الجمر وإنما هو أراد التميز والإبهار وجذب الأنظار ونحو ذلك، وربط ذلك بالبرمجة فتابعه البعض في البرمجة وفي المشي على الجمر وهذا لا يناسب المجتمع المسلم ولاسيما أن المشي على الجمر فيه تقليد لطوائف ضالة وفيه خطورة وضرر علي الجسم.

 وقفات متأمل للبرمجة

فضيلة الشيخ خالد بن عبد الرحمن الشايع كان له مشاركة مميزة في هذا التحقيق حيث أورد ملخصاً لأبحاثه في البرمجة يقول فيه: عند التأمل الدقيق والفحص الحصيف لمبادئ هذا (العلم) وما يكوّنه في نفسيات متعاطيه نجد أنه لا يخلو من إحدى محصلتين كبريين:

الأولى: نتائج إيجابية من جهة تكوين الشخصية السوية والنفسية الصحيحة، والتي تمكن الإنسان من حسن التعامل مع الآخرين.

الثانية: نتائج سلبية بسبب معارضتها لأصول شرعية قطعية، ومصادمتها لدلالات نصوص واضحة، وهذه المحصلة هي التي سعى بعض الفضلاء من المسلمين ممن يقدمون هذه الدورات لتلافيها وعدم تقديمها.

وفي ضوء ذلك فإن من الواضح أن الآثار والنتائج لهذا الذي يسمى (علم البرمجة اللغوية العصبية) مما يجب تحذير أهل الإسلام من الاغترار بما فيه من الإيجابيات المغمورة بكثير من السلبيات.

ويكفي المسلم أن يقف على بعض تلك السلبيات، حتى يعلم كم في هذا العلم من معارضة كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك:

1ـ التساهل بتحكيم الكتاب والسنة في مناهج الحياة ومسالك التعامل الإنساني.

2ـ ما تضمنته البرمجة اللغوية العصبية (NLP) من المعتقدات المعظمة لذوات البشر وخلع صفات القدرة المطلقة عليها، وتجاهل ضعف المخلوق ومسكنته.

وهذا ليس من قبيل التوكل على الله، بل التوكل على الذات، إلى غير ذلك من تعظيم قدرات البشر إلى الحد الذي تتمكن معه من تحقيق ما يريده صاحبها، مما يزعمون معه القدرة على تغيير الواقع وتبديل الحقائق.

ولا يخفى ما في كل ذلك من خلل عقدي تضافرت نصوص الوحيين على تبشيعه والتحذير منه، وأدلة ذلك يضيق المقام عن ذكرها.

3ـ ما تتضمنه (NLP) من مجانبة الإيمان المستقر بالقضاء والقدر، والتجافي عن الإقرار بجوانب من حكمة الرب سبحانه في تقديره، ففي هذه البرمجة من التركيز على إرادة الشخص التي تفرض عليه مضادة الأقدار ما جعل سليم العقيدة يتحاشى كثيراً من مفرداتها، فمفردات هذه البرمجة ما جعل سليم العقيدة يتحاشى كثيرا من مفرداتها، فمفردات هذه البرمجة  تبالغ من إرادة الإنسان وتجعل الخيار الأوحد أمامه تحقيق مراده، ولهذا يتم التركيز على مفردات محددة مثل (صناعة النجاح، صناعة المستقبل) ونحوهما، وفي هذا إغفال لما جاءت الشريعة بتقريره من تعرض الإنسان للابتلاء في نفسه وأهله وماله ووجوب تسليمه لقضاء الله مع سعيه في الحياة كما أمر.

4ـ ما تتضمنه (NLP) من أنواع الضلال من مثل دعوى خرق العادات والسنن الكونية تحت مسمى تفجير الطاقات الكامنة واللامحدودة، وما قد يجره هذا من الشعوذة والدجل، علاوة على ما هنالك من أنواع التجاوزات لمبادئ وأسس شرعية معلومة من دين الإسلام بالضرورة، وخاصة  فيما يتعلق بمسائل (الخيالات، مخاطبة الأجزاء، الخط الزمني، الحوافز، الاتحاد والانفصال، وبناء التوافق وتحوير الألفاظ، ودعوى التنويم المغناطيسي). مما يؤدي إلى تصوير الباطل كأنه حق مقرر، حتى يقع الانحراف وتشتد الغربة في عقائد المسلمين والمقام لا يتسع للتفصيل.

وجملة القول أن هذا المسلك الذي يعده المنتسبين له علما ما هو إلا قولبة جديدة لما كان عليه الفلاسفة والمناطقة الذين صاح بهم أئمة السلف وبدعوهم وحذروا منهم، حتى انطفأت بفضل الله جذوتهم، وهذا ظاهر في فترة اشتداد هذا التيار ما بين القرن الخامس والسابع، وكما هو بين في سيرة الشيخين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله.

وليعلم أن دخول من دخل في هذه الدورات  من فضلاء طلبة العلم وتدريبهم فيها إنما هو بدافع ما أرادوا من (أسلمة) هذه الدورات، ولكن ذلك لا يغني عن نقدها وبيان خطورتها كما أن هذا النقد لها لا يعني إساءة الظن بهم أو اتهامهم فذلك ما قادهم إليه اجتهادهم، والبيان واجب، والسلامة لا يعدلها شيء.