ثالوث المراهقة والمخدرات والانترنت
دراسة ميدانية في شرطة أبو ظبي تؤكد أن بداية التعاطي كانت في سن مبكرة
الفكر التقيلدي في السياسة العقابية للحدث أصبح من التراث


 

تعد ظاهرة تعاطي المخدرات وادمانها إحدى أعقد وأصعب المشاكل الاجتماعية التي تواجه المجتمعات الحديثة، ومما يثير القلق أن مشكلة تعاطي المخدرات وترويجها في الوطن العربي تشهد ارتفاعا مستمرا من حيث الكم ومن حيث النوع، بل أصبحت هذه الظاهرة منتشرة في المؤسسات التعليمية، مما يشير الى ان اكثر الفئات المستهدفة بالمخدرات هي فئة الشباب وهي فئة تشكل الجزء الأكبر في الهرم السكاني لمجتمعات الدول العربية، وتمثل القوة الاقتصادية لأي دولة، سيما وان الاستثمار في البشر وتأهيلهم يعتبر من أهم عناصر قوة الدول. ومع ذلك فقد تفشى استعمال المخدرات بين كثير من الشباب والأحداث من الأطفال، حيث تبين الدراسات التي تمت في هذا الخصوص ان معظم المتعاطين قد بدأوا في تناول المخدر وهم صغار، وبعد الشروع في التعاطي يبدأون في اختيار أحد الأنواع المختلفة منها، وهي بالطبع خطيرة في مجملها.

ففي دراسة ميدانية أجراها مركز البحوث والدراسات الأمنية والاجتماعية بشرطة أبو ظبي، شملت (49) مدمنا للمخدرات يخضعون للعلاج، تم التوصل للنتائج التالية:

_ بداية التعاطي تبدأ في سن مبكرة للغاية، وغالبا في عمر يتراوح مابين (16-17) عاما، عند التعاطي لأول مرة.

مايهم في هذه الدراسة ان البداية المبكرة لتعاطي وإدمان المخدر غالبا تكون والشخص في مرحلة كونه حدثاً لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره

أسباب تعاطي الاحداث المخدرات:

يمكن تلخيص الأسباب التي تدفع بالأحداث الى تعاطي وإدمان المخدرات الى عوامل واحدة، وأن كان بعضها يختلف حسب البيئة أو توافر المورد الاقتصادي من عدمه، وتعزى هذه الأسباب الى مايلي:

- الفشل الدراسي وتشغيل الشباب غير المؤهل علميا، وبالتالي لايمكن له التوافق مع عمله الجديد، الأمر الذي يؤثر سلبا على حياته الشخصية واليومية.

- صعوبة التوافق مع مجتمع تتعدد فيه الجنسيات كما هو الحال في بعض مجتمعات دول الخليج العربية.

- أسباب أسرية ومنها الطلاق والانفصال بين الوالدين، ووفاة أحدهما، والشعور بالحرمان الأبوي، وعدم الرقابة الأسرية لسلوك الحدث.

- أمية الوالدين أو تدني مستوى تعليمهما، وما يتبع ذلك أو ينتج عنه من أساليب تنشئة خاطئة كالتدليل الزائد، وتشديد الرقابة على نحو مبالغ فيه.

- توجه الصغار مبكرين الى ميدان العمل لسداد احتياجات الأسرة.

- الفشل الدراسي المبكر وهجر الدراسة في الصغر، وصعوبة الحصول على عمل مناسب، ومن ثم صعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية كالمساكن والسيارات والزواج.

- تدهور العلاقات والروابط الأسرية وانشغال الوالدين عن أولادهم بالعمل خارج المنزل أو بسبب الارتباطات العائلية.

- تعاطي احد الأقارب للمخدرات وجود قريب للطالب يستخدم حبوب الكبتاجون واتجاه الطالب نحو العقاقير المنبهة

- ادمان المخدرات كنوع من العلاج لبعض الأمراض وانتقال ذلك عن طريق التقليد الى الصغار.

وبعد هذا التلخيص الموجز عن أسباب تعاطي الاحداث للمخدرات لنا ان نسأل: ما علاقة الإنترنت بسلوك الحدث في تعاطي أو ادمان المخدرات ؟

الحقيقة انه رغم حرص الأسرة والمؤسسات التربوية داخل أى دولة في الحفاظ على السلامة الصحية والسلوكية للمراهقين اوالاحداث، ومكافحة المخدرات وتعاطيهاوادمانها بكافة صورها، فإن شبكة الإنترنت العالمية، بوصفها جعلت العالم قرية صغيرة، يمكن من خلالها ان يكتشف الحدث كيفية الحصول على المخدرات وكيفية تعاطيها، وان يتعرف على أماكن توزيع كل صنف منها وكذلك على أسعاره.
 

وامتداداً للأثر السلبي للإنترنت على الصغار والمراهقين في شأن ثقافة المخدرات نجد مجلة شهرية تدعى (هاي تايمز) تروج لمخدر - الماريجوانا - في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عشرين عاماً، وأنشأت لها موقعاً على شبكة الإنترنت منذ ست سنوات، فضلا عن وجود مئات المواقع التي تروج لثقافة الماريجوانا ولغيرها من المخدرات، ويصعب متابعة كل هذه المواقع فهي تشهد تزايدا مستمرا، ويطلق على مواقع الانترنت التي تطالب بإباحة تعاطي المخدرات اسم مواقع الثقافة المضادة وكان أشهر هذه المواقع موقع (بارانويا) الذي منع مؤخرا من قبل السلطات الأمريكية.

وبصرف النظر عن تقاعس الدول في مواجهة ظاهرة - المواقع - التي تروج للمخدرات على شبكة الانترنت - رغم اهتمام الحكومات بمواجهة المواقع الإباحية على الشبكة - فهناك تحالفات مناهضة لتعاطي وادمان المخدرات لها مواقع على الشبكة ومنها تحالف يسمى (تحالف التجمع الأمريكي المناهض للمخدرات)، يقول "كيلي فوستر" الناطق باسم هذا التجمع: أن تحالفه خسر المعركة الأولى في ساحة الانترنت أمام العديد من المواقع التي تروج ثقافة المخدرات والتي يرجع تاريخ بعضها الى وقت مبكر بينما موقع التحالف المناهض للمخدرات (www.cadca.com.org) لم يمض على وجوده في الانترنت اكثر من عامين، وكان يتعين إطلاقه قبل ذلك.

ومع ذلك، يمكن ومن خلال الأسرة مكافحة تعاطي وادمان المخدرات اياً كان مصدرها ولوكان بطريق الانترنت، ففي كندا، كان هناك تجربة رائدة لاتحاد أولياء الأمور، حيث أثبتت التجربة العملية، ومن متابعة إجراءات الأمن في قضايا مكافحة المخدرات، أن اتحاد أولياء الأمور واتفاقهم في الرأي وتنسيق جهودهم في العمل ضد مهربي ومروجي المخدرات بين الشباب هو السبيل الأمثل للقضاء على هذه الآفة وإنقاذ الشباب من شرها، فقد استطاع - اتحاد أولياء الأمور- لأحد الأحياء في كندا، ولا يزيد عدد أعضائه عن أربعة، استطاع مكافحة تفشي المواد المخدرة في بلدة بأسرها، ولذلك يتعين إنشاء اتحاد لأولياء الأمور للنهوض بهذه المهمة الجليلة في كل مكان وفي كل مدينة وكل قرية وكل حي. ذلك أن وقاية الأفراد من الوقوع في براثن المخدرات ومكافحة تعاطيها وإدمانها لن يتأتى إلا بتضافر جهود الأفراد والأسر والمؤسسات المعنية الرسمية منها والأهلية قبل ان يستشري هذا الداء في جسد الشباب، ويصبح عقبة أمنية واجتماعية خطيرة. والحقيقة ان مقاومة تعاطي وادمان المخدرات عن طريق الشبكة يعضده تأهيل الصغار والأحداث في سن مبكرة على ان يقولوا "لا" للمخدرات، كما حدث في تجربة المشروع "الوقائي" المشترك بين إدارة شرطة لوس أنجلوس ومنطقة لوس أنجلوس التعليمية.. والذي نرى أنه من الأهمية بمكان ان نعرض هنا لأهم عناصر ذلك المشروع والذي بدأت فكرته عندما اتصل قائد الشرطة - جيتس - بمدير المنطقة التعليمية الدكتور هاري هاندلر - لدعوته التعاون من أجل مكافحة استخدام المواد المخدرة والكحول، لأن الجهود التقليدية التي يبذلها رجال الشرطة لمنع تعاطي وبيع العقاقير المخدرة غير المشروعة داخل المدارس من خلال - حملات الشرطة - الدورية لم تترك إلا أثراً ضعيفاً، فضلاً عن أنها جعلت التلاميذ والمسئولين عن المدارس يشعرون بالنفور من الشرطة، وقد أشار قائد الشرطة الى أن الحاجة تفرض استخدام أسلوب جديد يركز على الوقاية ويهدف الى بناء الثقة بين المدرسة والشرطة، وقد وافق مدير المنطقة التعليمية على ذلك الرأي حيث تم تكوين مجموعة عمل تتألف من رجال الشرطة والمسئولين بالمدارس لوضع البرنامج التدريبي لذلك المشروع.

الهدف من هذا المشروع: تحدد هدف هذا المشروع في تزويد طلبة المدارس الابتدائية والمتوسطة بالمهارات اللازمة لمقاومة الضغوط التي يمارسها أقرانهم لتجربة تعاطي المخدرات والكحول، ويتمثل هذا الهدف باختصار في تعليم التلاميذ كيف يقولون - لا - للمخدرات. وقد كان هناك إجماع قوي "اقتناع" بين خبراء التربية والطب على أن منع استخدام أي مادة من المواد المخدرة يجب أن يبدأ في وقت مبكر قبل أن يتأثر الصغار بأقرانهم بالدخول في تجربة استخدام المواد المخدرة والكحول، والأهم من ذلك ان هذا المشروع يوفر هذا التدريب في نفس الوقت الذي تبدأ فيه ضغوط الأقران.

ويتفرغ للتدريس في هذا المشروع بعض ضباط شرطة لوس أنجلوس، ويتم توزيعهم على خمس مدارس في الفصل الدراسي الواحد، حيث يقوم الضباط بزيارة الفصول الدراسية التي تم تحديدها لهم مرة واحدة أسبوعيا لتدريس منهج جديد قام بوضعه المسئولون بالمنطقة التعليمية، ويتمتع المعلمون بالمشروع وهم ضباط الشرطة المحنكون الذين لديهم خبرة طويلة في الاحتكاك بالجمهور - بمصداقية لاتقارن بما يتمتع به مدرسو الفصول المعتادون، وعلى نفس المستوى تميز الضباط بالكفاءة في التدريس، ويقوم المشرفون على المشروع بعمل زيارات متكررة للإشراف على أداء المعلمين بالفصل.

- خطورة الانترنت في شأن تعاطي الاحداث للمخدرات:

وكدليل على هذه الخطورة يرى خبراء الحاسب الآلي والانترنت، انه في عام 2000، دخل عدد (أربعة ملايين طفل) الى شبكة الانترنت وسيرتفع العدد الى (15مليون طفل) تتراوح أعمارهم بين تسعة أعوام وسبعة عشر عاما، سيما وان الشبكة تملك قدرة هائلة على جذب الشباب إليها. وكشفت دراسة حديثة أجريت في مصر عن نوعية مستخدمي الانترنت تبين منها ان 80منهم أقل من 16عاماً.

والمخدرات بطريق الانترنت من الصور السلبية لاستخدام هذه الشبكة، وتعكس صورة للجريمة في عالم متغير، نتيجة التغير التكنولوجي الذي طرأ على العالم وأدى الى ظهور أنماط جديدة من الجرائم، الأمر الذي يهدد مبدأ الشرعية ومن ثم التأثير بشكل أو بآخر على حقوق الإنسان.

- غرف دردشة متخصصة تغذي ثقافة التعاطي والادمان:

تحفل شبكة الانترنت بغرف دردشة متخصصة في تعاطي شتى أنواع المخدرات، من غرف تعاطي الهيروين وغرف تعاطي الحشيش وغرف تعاطي الامفيتامينات، وتقدم هذه الغرف المعلومات والنصائح للمتعاطين الجدد وتدعوهم الى افضل طرق تعاطي كل عقار. فهذه الغرف تعد من الروافد التي تغذي ثقافة تعاطي وادمان المخدرات عن طريق هذه الشبكة، فعن طريق المحادثات في تلك الغرف يمكن معرفة أساليب تعاطي أصناف من المخدرات، بل يمكن صناعتها منزلياً عن طريق المعلومات الموجودة في بعض المواقع . ولذلك يقول احد المسئولين المختصين في مكافحة المخدرات من العاملين في البيت الأبيض الأمريكي: "إن ما تقوم به شبكة الانترنت العالمية يقوض الجهود والسياسات التي تبذلها الحكومة لمكافحة المخدرات، وذلك لأن الشبكة تنشر معلومات تؤدي الى زرع بذور معاداة قوانين المخدرات".

وتبدو المشكلة المترتبة على تبادل الحديث في غرف الدردشة عبر الانترنت سلبية من زاويتين:

الأولى: ان أولياء الأمور من آباء ومعلمون وتربويون وغيرهم ليس لديهم كمية المعلومات الموجودة على الانترنت، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ثقافة هؤلاء بالحاسب هي أقل من تلك التي توجد لدى أبناءهم الذين لديهم شغف بالمعرفة المعلوماتية وهم أكثر قدرة ومهارة من غيرهم في تعلم مهارات الحاسب الآلي ترتب على هذه الفجوة الثقافية بين الأبناء والأباء ان قُلبت إحدى صور التنشئة الأسرية في مجتمعنا العربي فظهرت فيه حالة اسمها التنشئة الراجعة التي تعني افتقار الأبوين معرفة الابتكارات والمخترعات التقنية الجديدة كالانترنت والكمبيوتر وقيام الأبناء والأحفاد بتعليم أبويهما أو جديهما طريقة استخدام هذه التقنية ليكسبوهم معرفة تقنية جديدة.

والزاوية الثانية: ان طبيعة الحديث في غرف الدردشة عبارة عن حديث عادي بين المشاركين وان الإدلاء بأحاديث تتعلق بالمخدرات يسهل التقاطها من قبل صبي مشارك في هذه الدردشة، ومن ثم تنتقل إليه ثقافة التعاطي والادمان للمخدرات، فقد قال أحدهم وهو طالب أمريكي في المرحلة الثانوية ، قال عبر إحدى غرف الدردشة عن تعاطي عقار (L.S.D) "كان أروع الأعمال التي قمت بها في حياتي". وقال أخر في حديثه عن الجرعة الأولى من الكوكايين "انا استمتع بالجرعة الأولى، انها أشبه بفنجان قهوة الصباح التي تنعشني، ولا يحتاج الأمر بالنسبة لي سوى اتصال هاتفي بسيط ليصل العقار الى حيث أنا". ويقول ثالث: "كنت اسكن بالقرب من البحر، حيث يقطن بعض العمال الهنود، وكان بعض أولادهم يستنشقون الغراء وقد تعلمت منهم تلك العادة السيئة، وانتقلت عقب ذلك الى منطقة جديدة وتعرفت على افراد جدد حيث بدأت في شراء الأقراص من بعض الصيدليات بالإضافة الى شرب الخمور، وتطورت ممارستي الى تعاطي الهيروين والحشيش، ومنذ ذلك الوقت كان همي الأكبر هو تعاطي المخدرات.

- ثالوث المراهقة والمخدرات والانترنت:

لعل أخطر مافي الموضوع أن ثمة علاقة يمكن ملاحظتها من خلال الملاحة عبر مواقع الانترنت هي العلاقة الوطيدة بين ثالوث المراهقة والمخدرات والانترنت. وفي الولايات الأمريكية لا يخفي العاملون في حقول التربية انزعاجهم من وجود علاقة بين تلك المحاور الثلاثة، حيث اكتشفت العديد من أنواع الدعاية لحفلات محلية ليلية في أمريكا تسمى - هذيان- ويشيع فيها استخدام عقار مخدر بأسماء عديدة، ويرى هؤلاء ان منظمي هذه الحفلات والداعين إليها لديهم معلومات عن المخدرات وطرق توزيعها عبر الانترنت، بل ان بعضها قد يعود الأطفال للذهاب الى أماكن لا يرغب الآباء في ذهاب أبنائهم إليها إطلاقا. ولعل ما يثير غضب التربويون والآباء في آن واحد ما يردده البعض من خلال الانترنت بعدم وجود ضرر من المخدرات.

في المقابل يرى الاتجاه المناهض لنشر ثقافة المخدرات على الانترنت أن المواقع التي توجد على شبكة الانترنت وكذلك غرف الدردشة التي تحبذ نشر هذه الثقافة عبر الانترنت يديرها أشخاص متفوقون وبارعون في استخدام الشبكة عن أولئك الذين يديرون المواقع المناهضة لنشر ثقافة المخدرات على الشبكة، فضلا عن ان المواقع الأخيرة تتسم بأنها قليلة العدد بالنظر الى المواقع التي تحبذ الرواج لثقافة المخدرات عبر الانترنت.

والحقيقة ان هذا الحديث يلقي بظلاله على مدى جدوى ونجاح السياسة الجنائية المعاصرة بطرقها التقليدية في علاج انحراف الاحداث في الوقت الحالي، إذ يتطلب الأمر تدريب كافة العاملين في أجهزة العدالة الجنائية (الشرطة، القضاء، السجون) وكذلك القائمين على الرعاية الاجتماعية وان ينصرف هذا التدريب الى تدريس ثقافة الحاسب الآلي والانترنت وكيفية التعامل مع أضرارها بالنسبة للأحداث ومقاومة - ادمان الاحداث لها - والتوعية بمخاطرها، ذلك ان الفكر التقليدي في السياسة العقابية للحدث اصبح من التراث.

جريدة الرياض: الجمعة 14 شوال 1428هـ - 26 اكتوبر 2007م - العدد 14368