مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض

 

    مجلة الأمل - العدد (40)
    مجلة الأمل - العدد (39)
    مجلة الأمل - العدد (38)
    مجلة الأمل - العدد (37)
    مجلة الأمل - العدد (36)
    مجلة الأمل - العدد (35)
    مجلة الأمل - العدد (34)
    مجلة الأمل - العدد (33)
 

العدد 37

 
 

أمراض الدمار الشامل


من المعروف أن الأمراض العضوية تصيب الإنسان عن طريق الجراثيم والميكروبات والفيروسات، وعدم نظافة البيئة وسوء التغذية والعدوى وتنقل بواسطة الحشرات الضارة والحيوانات، وتصيب الإنسان دون إرادته، ومن حيث لا يدري، أما بالنسبة لأمراض المخدرات فهي تصيب الإنسان بإرادته وبمعرفته، لأنه يأتي بها إلى نفسه طوعاً وليس كرهاً، بالرغم من معرفته بأضرارها المدمرة لحياته، ولهذا السبب اخترت لها عنوان (أمراض الدمار الشامل)، والسبب هو أنها تذهب الضروريات الخمس للحياة (الدين، العقل، المال، العرض، والنفس)، والدليل على ذلك ما يلي:

1-  الدين: لم نعهد أو نرى أي إنسان مدمن يرتاد المسجد من أجل الصلاة ويؤدي الفرائض الدينية ولا يتحلى بالأخلاق الإسلامية الحميدة.

2- العقل: إن الإدمان على الكحول والمخدرات يعمل على تدمير خلايا المخ، وبذلك يصبح الفرد إما معتوه أو مجنون ويفقد عقله.

3- المال: المدمن يضطر إلى صرف الكثير من المال لشراء المادة المخدرة حتى ولو اضطر إلى بيع ممتلكاته والنصب والاحتيال والسرقة في سبيل الحصول على المخدر.

4- العرض: يضطر بعض المدمنين إلى بيع شرفه وعرضه في سوق البغاء كأن يعرض زوجته أو ابنته أو أخته أو أحد محارمه للبغاء في سبيل الحصول على المال لشراء المخدر، وأيضا كذلك إذا كانت المرأة مدمنة فهي تبيع عرضاها لنفس الغرض.

5- النفس: إن مدمن المخدرات يقضي على حياته عن طريق ارتكاب جريمة يكون عقابها الإعدام أو عن طريق حوادث المرور وغيرها أو عن طريق الانتحار، لذا فالمخدرات موت محقق.

إن استعمال المخدرات يتسبب في تدمير شامل لحياة الإنسان في جميع مناحيها ويحطم حياة الفرد ويشل من نشاطه الفكري والحركي، فيصبح عديم الفائدة وعضو غير فاعل وعالة على أسرته والمجتمع.

إن الدول المتقدمة صناعيا، مثلا الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، تحولت مجتمعاتها من مقومات الأسر التقليدية المترابطة إلى أسر صغيرة متفككة، فأصبحوا يعيشون الحياة الفردية، أي ما يسمى Individualism، وذلك بسبب تحولها إلى مجتمعات صناعية، وبسبب التقدم الصناعي والتكنولوجي والرأسمالية البحتة، حيث الاعتماد على النفس فقط، فهذا التغير الاجتماعي أفرز التفكك الأسري والانحلال الخلقي والجريمة المنظمة، وانتشار المخدرات والانتحار وغيرها من الأمراض الاجتماعية والنفسية، وذلك يدعى (النمو الاجتماعي) لأن علماء الاقتصاد الغربيين يعرِّفون النمو الاجتماعي على أنه يقوم على أساس شرطين هما: اقتصاد قوي زائد تغير اجتماعي، وفسروا ذلك بما يلي:

أولا: اقتصاد دون تغير اجتماعي لا يمكن حدوث نمو.

ثانيا: تغير اجتماعي دون اقتصاد لا يمكن حدوث نمو.

لذلك يجب توفر هذين الشرطين للحصول على النمو والتقدم، ولهذا سميت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية واليابان وكندا وأستراليا بالدول الصناعية المتقدمة بسبب توفر هذان الشرطان بالرغم من تدهور العلاقات الاجتماعية والأخلاقية، فأرادوا أن يغطوا على هذه السلبيات الناتجة عن مجتمعاتهم الصناعية تحت اسم الدول المتقدمة حتى يحافظوا على التقدم الصناعي والتكنولوجي والرأسمالية، وأطلقوا كلمة التخلف والعالم الثالث على الدول غير الصناعية، ولكنهم تلطفوا عندما قالوا الدول النامية، لكن ما يقوله علماء الاجتماع والنفس الغربيين أنفسهم مغاير لما يقولون ساستهم، وأن المجتمعات الصناعية أحدثت ضررا في العلاقات الاجتماعية وتفكك أسري وانحلال خلقي وانتشار الجريمة المنظمة والتشرد والتلوث البيئي وسوء التغذية والبطالة والفقر.. إلخ، ما أدى إلى اضطرار الدول الصناعية إلى الخسارة المادية الكبيرة في معالجة هذه الإفرازات الاجتماعية السلبية، مثل (مكافحة الجريمة المنظمة، والبطالة، والفقر، مكافحة المخدرات، إعادة بناء وتنظيم الأسرة، ونبذ الحياة الفردية Individualism. وقال علماؤهم النفسيون: إن المجتمعات الصناعية تعاني العديد من الأمراض النفسية مثل (القلق العصبي، الإحباطات، الاكتئاب الحاد، البارانويا، الفصام، الجنون وتعاطي المخدرات والانتحار)، ما أدى أيضا بالحكومة الصناعية المتقدمة إلى بذل وإنفاق المال الكثير في إنشاء المؤسسات الحكومية والمدنية في مجال الرعاية الصحية والنفسية لعلاج ما أفرزته هذه المجتمعات الصناعية من سلبيات، وتطالب هذه الحكومة الصناعية الأمم المتحدة UN بالمساعدة في تخفيف العبء عن كاهلها في مشاركة مؤسساتها ومنظماتها وهيئاتها الإنسانية، وفي بعض البرامج والدراسات والبحوث المتعلقة بالإصلاح الاجتماعي مثل اليونيسكو واليونيسيف، رعاية الأمومة والطفولة، الصحة العالمية، التغذية، رعاية الأيتام، والتلوث البيئي وغيرها من برامج ودراسات وبحوث إنسانية أخرى.

وأخيرا إني أراة أن مجتمعنا العربي لا يزال بخير ولم يتحول إلى مجتمع صناعي بعد، ولكني أرى أننا في أول الطريق نحو هذا التوجه، فيجب على الحكومات العربية أو جامعة الدول العربية التنبه إلى تلك الظواهر الاجتماعية والنفسية السيئة التي أفرزتها المجتمعات الصناعية، وأخذ العبرة والدروس منها، ووضع البرامج والحلول الاستباقية الناجحة قبل حدوثها، خاصة تعاطي المخدرات التي بدأت تنتشر مع الأسف في المجتمع العربي في السنوات الأخيرة، خاصة العقدين الأخيرين، لأن هذه الآفة خطرة جداً على حياة الإنسان وتدمره اجتماعياً ونفسياً وعقلياً وجسدياً، ولهذا السبب فعلا (مرض دمار شامل)، فيجب مكافحتها والتصدي لها بحزم للمحافظة على حياة الإنسان المسلم.. والله ولي التوفيق.

 

حمد عبد الله القبلان   

استشاري صحة نفسية

 
 
   

الصفحة الرئيسية | أخبار المجمع | اتصل بنا | أسئلة الزوار | مواقع ذات علاقة