|
التجول في مستشفى الصحة النفسية بالطائف(شهار) متعة وأيما
متعة لمن يريد البحث عن التاريخ الصحي للمملكة ولمن يريد البحث عن الكفاءات الطبية
والإدارية ـ العلم والخبرة والإخلاص وجدتها فيمن التقيتهم من المسئولين بالمستشفى،
فعندما نبعت فكرة هذا التحقيق الصحفي من المشرف العام على المجلة الدكتور علي بن
مقبول العرابي الغامدي وأيدها المجلس الاستشاري للمجلة وتم تكليفي بالمهمة، وجدت
الحمل ثقيلا خصوصا وأننا نبحث في تاريخ لم يوثقه إلا القلائل وكانت المهمة أصعب
لوفاة الدكتور أسامة الراضي أول مدير لمستشفى الصحة النفسية بالطائف، إلا أنني
عندما ذهبت إلى المستشفى وقضيت عدة أيام بها لم يلفت انتباهي حجم المستشفى الكبير
الذي هو أقرب إلى مدينة طبية بقدر ما وجدت الهمة والعزيمة في العاملين بالمستشفى
الذين ينطبق عليهم بحق شعار وزارة الصحة) المعاملة الحسنة لا تحتاج إلى إمكانيات(
ووجدت منهم كل ترحيب وتعاون كان له الدور الكبير في نجاح هذه المهمة إن شاء الله،
فكل الشكر والتقدير لمدير المستشفى الدكتور ياسر الطويرقي ولمدير العلاقات العامة
الأستاذ القدير رجا الله الثبيتي وللدكتور معتوق النفيعي . ولجميع العاملين
بالمستشفى. وقد حاولنا خلال زيارة المستشفى أن نطلع القارئ على البدايات وجوانب
التطوير وكان لنا عدة لقاءات متنوعة استعرضنا فيها تجربة العاملين مع العمل بأول
مستشفى للصحة النفسية بالمملكة وكانت هذه اللقاءات .
بدايات الطب النفسي :
يقول في البداية الدكتور معتوق بن زياد النفيعي مدير إدارة الضمان الصحي بالمستشفى
والذي يتذكر نظرة المجتمع إلى بدايات المستشفى أن الأهالي كانوا يسمون منطقة شهار
التي بها المستشفى منطقة النفسية وكان المستشفى بعيدا عن العمران وفي منطقة موحشة
ومن يبقى إلى ما بعد المغرب في شهار يعتبر في منطقة مقطوعة والأهالي يطلقون على
المرضى مسمى المجانين وكان للثقافة دور كبير في ذلك وساعد على هذه النظرة منظر بعض
المرضى في المستشفى في بداياته حيث كانت ملابسهم رثة وبعضهم يتعرى . ويواصل النفيعي
حديثه عن بدايات الطب النفسي بالمملكة ويقول : لم يكن هناك اعتراف بالمرض النفسي
وإنما كانت هناك سيطرة لمفهوم الجنون على الجميع. ويذكر بعض الحوادث لمعاملة المرضى
النفسيين سابقا حيث تصل الحالة للمستشفى وبها آثار ضرب وكي فيما يسيطر بعض
المعالجين الشعبيين على بدايات العلاج غالبا، ويضرب مثلا لقرية في إحدى مناطق
المملكة كان بها معالج شعبي جاءته امرأة تعاني من سوء التغذية بعد الحمل والولادة
وصاحبها بعض الأعراض النفسية فطلب منها المعالج( تيس لونه أصفر ورجله مكسورة )
وطبخه وأكل نصفه وأعطى نصفه الآخر للمرأة مع عسل فلما أكلت تحسنت صحتها فظن أهلها
أنها كانت مجنونة وهذا المعالج أخرج الجني منها . فيما القصة الحقيقية أن المعالج
كان ذكيا ولديه بعض الدراية وعلم أن مرضها سوء التغذية واستغل ذلك لصالحه.
أوائل الممرضين:
كان لنا لقاء مع أقدم الممرضين السعوديين العاملين بالمستشفى والذي عاصر بدايات
العمل حيث كانت غالبية الممرضين من الأجانب ويندر وجود الممرض السعودي، وهذا هو
الممرض عبد الرحيم بن صالح بن بطاح، الذي أمضى ثلاثون عاما من عمره في خدمة المرضى
النفسيين ويتحدث بن بطاح عن البدايات فيقول: جئت للمستشفى منذ عام 1396هـ وكانت
بدايات المستشفى بإدارة الدكتور أسامة الراضي وهو المستشفى الوحيد ويتوافد إليه
المرضى من جميع المناطق ويعاني من كثرة المرضى حيث يصل عدد المرضى في الجناح الواحد
إلى حوالي (150) مريض ومما لاحظت في البدايات أن غير السعوديين كانوا يسيطرون على
التمريض والسعوديون يشمئزون من التعامل مع المرضى النفسيين ويعتبرونهم مجانين.
ثلاثمائة ريال :
ويضيف ابن بطاح: كانت تواجهني مشكلة في الوصول للمستشفى والعودة إلى أهلي ولابد أن
أصحو فجرا لأصل للمستشفى على أمل أن أجد صاحب)سيارة تاكسي( يوصلني للمستشفى وأجد
مشقة في ذلك ولكن راتبنا كان جيدا حيث تقاضيت في بداية عملي (300) ريال وكانت تعتبر
مبلغاً كبيراً بالنسبة لي حيث عملت في البداية على بند العمال ثم حصلت على دورات
تمريضية داخل المستشفى وحضرنا محاضرات لأخصائيين وأطباء وحصلت بعدها على وظيفة ممرض
بالمستشفى، ويشير الممرض بن بطاح إلى أسنانه الأمامية التي فقدها إثر ضربة من أحد
المرضى النفسيين بقوة ويصف الحادثة بأنه تفاجأ بمريض يغافله بلكمة على وجهه أدت إلى
تساقط أسنانه إلا أنه أستطاع أن يتمالك نفسه ويسيطر على أعصابه ولم يبد أي حقد أو
غضب على المريض لأنه يحتسب الأجر عند الله وقام بتركيب أسنان مكان أسنانه الطبيعية
.
الخوف من المرضى :
سعيد ظافر الأسمري الأخصائي الاجتماعي والذي بدأ العمل
بالمستشفى منذ عام 1405هـ إثر وجود رقم شاغر للترقية ويصف بداياته مع العمل
بالمستشفى ويقول الأسمري عن أول يوم دوام له : كان من أصعب الأيام التي عشتها فقد
كانت لدي نظرة سلبية عن المرضى النفسيين وكنت متخوفا من التعامل معهم بسبب ما أسمعه
من كلام من المجتمع والأهل، وأذكر أنني دخلت أحد الأجنحة مع أخصائي اجتماعي مصري
اسمه نبيل وعندما شاهدت المرضى لأول مرة تملكني الخوف وكدت أنسحب من العمل وقد لاحظ
زميلي الأخصائي أنني مرتبك وأتبعه أينما ذهب فأرشدني ونصحني وبين لي الأسلوب الأمثل
للتعامل مع المرضى النفسيين وبعدها أصبحت أعي أكثر مفهوم المرض النفسي واجتهدت
لأصحح النظرة الخاطئة عن المرضى النفسيين حيث بدأت بعائلتي التي كانت متخوفة من
عملي بالمستشفى . وينبه الأسمري إلى معاناة المستشفيات النفسية مع بعض أهالي المرضى
الذين يرفضون استلام أبنائهم أو زيارتهم وهو ما يسبب ضعف العملية العلاجية للمريض
بسبب عدم قيام الأسرة بدورها المناط بها رغم التوعية المستمرة وتحسين نظرة المجتمع
للمريض النفسي، ويواصل حديثه قائلا في البدايات كان أهالي المرضى يحضرون معهم
للطوارئ وجميعهم ملثمين ويتحاشون البقاء في الانتظار مع بقية المراجعين خوفا من أن
يشاهدهم أحد معارفهم أما الآن وبعد الفهم الصحيح لطبيعة المرض النفسي فقد اختفت هذه
الظواهر السلبية.
أزمة اجتماعية:
ولمواصلة الحديث عن نظرة المجتمع لبدايات الصحة النفسية التقينا الدكتور حامد بن
أحمد الغامدي والذي بدأ العمل بالمستشفى منذ عام 1406هـ وواجه أزمة اجتماعية في
بداية عمله حيث كان بعض الأقارب ينظرون لعمله بشيء من التهكم مما جعله يبتعد عن بعض
اللقاءات الاجتماعية في بداية عمله ويقول د. الغامدي كان بعض أهالي المنطقة ينظرون
على أن من يعمل بالمستشفى هو يعمل مع المجانين إلا أن هذه النظرة تغيرت بفعل
التوعية المكثفة التي قام بها المستشفى خلال السنوات الماضية واستضافته للعديد من
الوفود وإلقاء المحاضرات التوعوية وإقامة المعارض الهادفة وتكثيف العمل التوعوي عبر
وسائل الإعلام . وحول تطور المستشفى حاليا التقينا الدكتور محمد بن مستور الثبيتي
الذي أوضح أن المستشفى يضم حاليا العديد من الوحدات للتنويم وهي وحدة التأهيل الطبي
النفسي ووحدة النساء ووحدة الطب النفسي الشرعي ووحدة تنويم الحالات الحادة كما يشمل
المستشفى سبع عيادات خارجية هي العيادة النفسية وعيادة الطوارئ وعيادة الطب النفسي
الشرعي وعيادة الأمراض الباطنية وعيادة الأسنان للرجال وأخرى للنساء وقسم مختص
لتخطيط المخ والقلب ورسم العضلات. وهناك العديد من المراكز المساندة لوحدات التنويم
مثل مركز المعالجة النفسية وقسم الخدمة الاجتماعية وقسم الصيدلية وقسم الأشعة وقسم
المختبر وقسم الطب الطبيعي وقسم التغذية كما يقيم المستشفى أربع دورات تدريبية
سنويا معترف بها من الخدمة المدنية وإدارة الابتعاث بوزارة الصحة وتخص الأخصائيين
الاجتماعيين والممرضين والأطباء والأخصائيين النفسيين العاملين في مجال الصحة
النفسية، ويشمل المستشفى مركز للعلاج بالعمل ومركز للترفيه ومكتبة طبية وقسم
للرقابة الصحية وقسم للتوعية الصحية وقسم للعلاج الديني ومركزا للمعلومات والسجلات
الطبية وعلاقات المرضى، وحديثا أنشأ المستشفى إدارة تعنى بنشر ثقافة الجودة الصحية
وقد اتخذ المستشفى شعارا له يتمثل في(توعية ـ علاج ـ تأهيل).
|