مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض
مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض

 

    مجلة الأمل - العدد (40)
    مجلة الأمل - العدد (39)
    مجلة الأمل - العدد (38)
    مجلة الأمل - العدد (37)
    مجلة الأمل - العدد (36)
    مجلة الأمل - العدد (35)
    مجلة الأمل - العدد (34)
    مجلة الأمل - العدد (33)


نسخة PDF

 

العدد 39

شمعة الأمل

 

بناء الإنسان لا الجدران



بناء الدول لا يمكن أن يكون فعالاً دون أن يُبنى على أساس إنساني يفي بالاحتياجات النفسية الكاملة للإنسان، فالقضية ليست المنافسة على أعلى برج وأضخم مجمع تجاري ولا حتى مدينة طبية إلا إذا كان الأصل هو الرقي بالإنسان وخدمته بالدرجة الأولى وليس الأخيرة، وهذا المنظور الإنساني النفسي يصبح أكثر أهمية عندما نتحدث عن الاستثمار في الإنسان وهو الاستثمار الأهم وهو الأصل في الكون الذي سخر الله ما فيه لبقاء هذا الإنسان وتطوره، وأرسل الرسل بكل ما يحفظ كرامة الإنسان وحقوقه. يعلم البشر القوانين التي تضمن حمايتهم الجسدية والنفسية في الدنيا وفوزهم في الآخرة مما يجعل تسخير الإنسان لخدمة البناء دون النظر لاحتياجاته الجسدية والنفسية أمر غير مقبول البتة خاصةً في ظل وجودنا تحت مظلة حكومة بقوة وصلابة حكومتنا التي تسخر كل إمكانياتها للحفاظ على المواطن وضمان حقوقه وخاصة عندما يتعلق الأمر بمستقبل التعليم في المملكة الذي أصبح الشغل الشاغل للباحثين والمختصين في مجالات التربية والتعليم، وأصبح هاجس الأهالي المؤمنين بأن المؤسسات التعليمية مركب للوصول إلى بر الأمان، ولكن للأسف بات هذا المركب هش وقوده قاصر مع توقف متكرر للتزود بالطاقة مما جعل رحلة التعليم مرهقة ومتعثرة وغير مضمونة، ورغم إيماننا بأن هذا التخبط جزء من محاولات متكررة لتحسين وضع التعليم في المملكة إلا أن هذا لا يجعله يخرج من كونه تخبط في أمر يفترض أن يكون الأكثر ثباتاً على مدى العصور وتحت كل الظروف، كيف لا وقد كان وما يزال سلاح الدول المغمورة للنهوض والارتقاء، فكيف يمكننا قبول فكرة أن يكون مادة للتجارب المتكررة في عصر ذهبي تمر به المملكة بخطى ثابتة في معظم المجالات. لكن السؤال .. لما كل هذا الوقت للوصول إلى بناء ثابت لتلك المؤسسة الأهم في المجتمع؟ باعتقادي أن السبب هو بُعد تلك الخطط التطويرية عن المنظور الإنساني النفسي في التطوير، فأنت عندما تحتاج أن ترتقي بمؤسسة ما أياً كانت لابد أن تبحث عن زيادة الدافعية والاستقرار النفسي للعاملين والمستفيدين من تلك المؤسسة، لا وضع قوانين وقرارات صارمة كانت أو مرنة دون النظر في الجانب الإنساني والنفسي، فبناء منزل من الطوب الأجوف يحتاج إلى مهندس معماري عالم باحتياجات الأفراد النفسية والاجتماعية وليس فقط أبجديات البناء، فوضع المنافذ وعلاقته بالشمس والهواء ووضع المنافع واتجاهها مع القبلة بالإضافة إلى المداخل المنفصلة وتوفير غرف للنوم في الأدوار السفلية لخدمة كبار السن والمعاقين وخلافه يعكس الجانب الديني، الاجتماعي والصحي، فدون الأخذ بهذه الاعتبارات ستكون تصاميم هندسية دون روح أو هوية لأنها أهملت المنظور الإنساني. وهنا نحن نتحدث عن احتياج أسرة واحدة، لكن عندما نبني صرحاً للتعليم سنحتاج الكثير من الجانب الإنساني والنفسي لبناءه ثم تشغيله بنجاح، فهو يخدم مئات الأسر وهو على كل حال ليس مجموعة من الغرف والكراسي والطاولات فقط لكن عدد تلك الغرف والكراسي مقارنة بعدد الطلاب والمرحلة الدراسية والقدرات الذهنية هو الأهم، أمر التهوية والمنافع النظيفة الآمنة القريبة من الرقابة لضمان أمور ليست هي محور حديثي الآن أمر لا يقل أهمية بالإضافة إلى وجود مكان مناسب للأنشطة الرياضية وتوفر الماء ببرودة مناسبة، نعم ببرودة مناسبة!! أذكر في أحد الندوات أن قام طالب وناشد المسئولين بتوفر حمامات نظيفة ومصادر مياه باردة صيفاً معتدلة شتاءً فضحك المسئولون وقال بعضهم(ياحليلة)، أُخذ الأمر على أنه نكتة وعرفت حينها أننا نحتاج الكثير لنعرف قيمة ما قاله هذا الطالب من الناحية النفسية، لقد كان يطالب ببعض حقوقه الإنسانية في تلك المؤسسة وكان سؤاله ينم عن النضج وكان ضحك الحاضرين هو النكتة برأيي. عندما نقرر أن نطور التعليم فنبدأ بعمل تجارب على المرحلة الثانوية ونعتبر أن مرحلة رياض الأطفال من الكماليات التي سنفكر بها مستقبلا بجعل الأمر يتعدى النكتة ليصبح مأساة ونظرة قاصرة جداً بعيدة كل البعد عن المنظور الإنساني النفسي. عندما تخصص الجرائد عموداً ثابتاً لجثث المدرسات (اقترح أن يسموه ضحايا الخطوط البرية المدرسية) تشعر بأن التعليم ذاهب إلى لا مكان، فإن كانت الخطط التطويرية لا تأخذ على عاتقها الاستقرار النفسي للمدرس اللازم لقيامه بواجبه بحماس وليس تأدية واجب يسعى للتخلص منه بالحصول على إجازات مرضية غير مبررة ظاهرياً ولكن في أعماقها تبرير ألا وهو الإحباط والشعور بأنه موظف دولة وحسب، وليس المعلم الذي كانوا يعلمونا أن نوفيه التبجيلا. والغريب أنه عندما تناقش أحد بضحايا الخطوط البرية المدرسية يجيبك بقوة: لم يجبرهم أحد على الوظيفة وهم يعرفون المخاطر مسبقاً. رباه رحمتك!! من المتضرر أيها المسئول؟ إنهم أبناءك وأبناءنا الذين لا يجدون مدرساً جاهزاً للعملية التدريسية أنهم أيضاً أبناء المدرسين والمدرسات القابعين في منازلهم ينتظرون وصول رحلة آبائهم في أسرع وقت قبل أن يغشاهم النعاس لإخبارهم ماذا فعلت الخادمة بهم. إنك تحاكم مجتمع بأسره حينما تهمل الاستقرار النفسي للمعلم وأسرته!! أنك تحاكم جيلاً كاملاً عندما تهمل الاستقرار النفسي للطلاب!! أنك تستثمر في السراب عندما لا تستثمر في بناء الأجيال.. أجيال تدعمها مؤسسات تعليمية متخصصة منذ نعومة أظافرها وحتى اكتمال تكوينها النفسي والبدني. إن السبيل للارتقاء ليس بالبحث فقط في ترميم المباني وتغيير المناهج، لكن للأسف يبحث القائمون على تطوير المناهج عن منهج جديد باعتبارات كثيرة دون النظر في الجانب النفسي مثل تناسب القدرات الذهنية والمهارات مع المادة المقدمة، فعلمياً تقديم مادة جديدة في المرحلة المتوسطة يجعل التعامل الذهني معها مختلف عن التعامل في حالة التقديم لها في المرحلة الابتدائية. إن اختيار المعلومة الدينية، الوطنية، الثقافية المناسبة لكل مرحلة تؤمن الفهم الصحيح والاستفادة العليا من المعلومة، فالقضية ليست قضية حذف أو إضافة فقط. ختاماً: أيها المعنيون بتطوير مؤسساتنا التعليمية.. البناء لا الترميم هو ما نحتاجه شريطة أن يكون بناءً عماده الارتقاء بالإنسان لا الجدران.

_____________________

 ٭استشاري طب نفسي

 
 
   

الصفحة الرئيسية | أخبار المجمع | اتصل بنا | أسئلة الزوار | مواقع ذات علاقة