|
إن
فلسفة العلاج الحديث في مستشفيات الصحة النفسية هي في الأساس تهيئة المريض وإعادته
للمجتمع لممارسة حياته الطبيعية ، وذلك بتوفير المناخ الملائم بكل عناصره من دواء
وغذاء وبيئة مناسبة، مع الأخذ في الاعتبار الوسائل الأخرى مثل العلاج بالعمل
وممارسة الأنشطة الرياضية.

وعلى هذا، فإن دور مجمع الأمل للصحة النفسية يختلف عن دور باقى الجهات الصحية
الأخرى، فلا يقف هذا الدور عند حد العلاج الجسدى فقط بل يتخطاه إلى ما هو أشق وأصعب
وهو العلاج النفسي والروحي والفكري حتى يتمكن من إعادة تأهيل هذا المريض للإنخراط
في المجتمع.
لا شك أن التغذية السليمة تلعب دوراً حيوياً في تحسين الحالة الصحية للمريض.
ونحن في إدارة التغذية نولي اهتماما كبيراً بتقديم وجبات علاجية للمريض تتوافق مع
حالته الصحية باعتبار أن التغذية المتوازنة والمتكاملة من أساسيات العوامل المساعدة
على تقليل مضاعفات الإدمان والاضطرابات النفسية، مع الأخذ في الاعتبار الأعراض
الجانبية للعقاقير والتداخل الحادث بين الغذاء والدواء, حيث أننا نراعى المواصفات
التالية عند تقديم الوجبات لمرضى الحالات النفسية والإدمان:
- وجبات خاصة (عالية الطاقة و البروتين) تعويضا للمريض النفسي عن ما فقده جسمه عند
ضعف شهيته للطعام المصاحب للحالات النفسية الحادة او الإدمان.
- تقدم الوجبات فى اطباق معزولة وأدوات تستخدم لمرة واحدة فقط حفاظا على سلامة
الغذاء من المؤثرات المحيطة مثل درجات الحرارة، وامكانية حدوث تفاعل بين الأطباق
البلاستيكية والأطعمة الساخنة.
- خالية من أى أجسام صلبة أو حادة مثل العظم والنوى وخلافه حفاظا على سلامة المريض
النفسي وعدم تعرضه لأي أذى.
- تقدم على درجات حرارة آمنة ومناسبة لحالة المرضى.
- لتهيئة الجو الاجتماعى تقدم الوجبات بصورة جماعية فى صالات طعام مشتركة كوسيلة من
وسائل الدعم النفسي والتفاعل الإجتماعي.
- يقدم الطعام في صالات مجهزة و مخصصة لهذا الغرض و تناسب طبيعة المرضى حيث أن
طاولات الطعام ثابتة قوية نظيفة من خامات جيدة، كذلك المقاعد مثبته آمنة مريحة.
- يتم الطهى بطرق متنوعة لاستثارة شهية المرضى والمعروف أن الإدمان يؤثر على الشهية
للطعام ويقلل الرغبة للأكل كذلك بعض أدوية الحالات النفسية تؤثر سلباً على الشهية.
- تقدم الوجبات الرئيسية والخفيفة في اوقات محددة تناسب ظروف المرضى من حيث اوقات
الراحة وتناول بعض العقاقير نظرا لخصوصية المريض.
القيمة الغذائية للوجبة
أولاً: السعرات الحرارية:
تقديم وجبات عالية السعرات الحرارية والبروتين High calories, High protein تعويضا
للمريض النفسي عن ما فقده جسمه عند ضعف شهيته للطعام المصاحب للحالات النفسية
الحادة او الإدمان. مع ملاحظة أن هناك بعض الأدوية تؤدى إلى زيادة شهية المريض
للطعام وبالتالى الشراهة للأكل وزيادة الوزن. وفى هذه الحالة يوصى بمراقبة تغيرات
الوزن فى المريض تفادياً لحدوث سمنة مفرطة مع وصف غذاء قليل السعرات الحرارية تحت
إشراف أخصائي التغذية العلاجية.
ثانياً: البروتينات والأحماض الأمينية:
1. تقديم وجبات غنية بالبروتين، حيث أن البروتين يزيد إنتاج هرمون الدوبامين
والنورإيبينفرين الذي يقوى الانتباه واليقظة ويجعل المريض يميل للتفكير والعمل
بسرعة ونشاط، على أن تكون هذه البروتينات عالية القيمة الحيوية High Biological
Value مثل اللحوم والأسماك والدواجن والبيض.
2. الاهتمام بتناول المصادر الغذائية الغنية بالحمض الأمينى التربتوفان، فهو الصانع
الرئيسي للناقل العصبي السيروتونين فى المخ الذي يؤدي نقصه إلى ظهور حالات اضطرابات
المزاج والقلق و الإكتئاب. ويتوفر الحمض الأميني التربتوفان فى بعض البروتينات
الحيوانية مثل الأسماك، الدجاج، الجبن الأبيض، الحليب، الزبادي، منتجات القمح (البر)
الكاملة.
3. بعض الأدوية المقدمة للمرضى النفسيين تتسبب في نقص معدل كرات الدم البيضاء مما
يستلزم حصول هؤلاء على كمية كافية من البروتين لتعويض النقص الحادث في كرات الدم
البيضاء.
4. الاهتمام بوجود الأسماك (من البروتينات الهامة) في وجبات المريض، حيث توجد نظرية
تؤكد أن مرضى الفصام Schizophrenia الذين يتناولون اغذية بحرية تقل بينهم نسبة حدوث
الإكتئاب (المعروف أن معدل حدوث الإكتئاب لدى مرضى الفصام عالية وتصل إلى حوالى
أكثر من 50 %) فإذا كان الغذاء الذي يحوي أطعمة بحرية يقلل من الاصابة بالإكتئاب
بين مرضى الفصام فإن ذلك يساعد على عدم استخدام مضادات الإكتئاب لهؤلاء المرضى،
والتي لها أعراض جانبية غير مقبولة.
5. تعتبر الأسماك خاصة أسماك (السالمون، السردين، الماكريل) ولحم البقر مصدر جيد
لمساعدة الإنزيم Q10 الذي يعتبر من أقوى مضادات الأكسدة Antioxidantsالتي تساعد فى
نقل الاكسجين إلى خلايا المخ وحمايتها من تحطيم الشقوق الحرة.
6. بالنسبة لحالات إدمان المخدرات أو العقاقير أو الكحوليات، يراعى أن تحتوى الوجبة
على نسبة عالية من البروتينات عالية الجودة وذلك لتوفير الحماية والمناعة الكافية
لخلايا الكبد. هذه البروتينات تتمثل فى اللحوم والأسماك والدواجن والبيض والحليب
ومنتجاته.
7. الجلوتاثيون مركب بروتينى يتكون من ثلاثة أحماض أمينية، وهو مضاد قوي للأكسدة
ينتجه الكبد، وهو يحمي الكبد ويزيل سمية المركبات الضارة حتى يمكن التخلص منها عن
طريق الصفراء، كما أن الجلوتاثيون يقلل من الرغبة الملحة لمدمني الخمر. ويمكن
الحصول عليه من الأغذية البروتينية أو في صورة مكمل غذائي دوائي.

8. الميثيونين حمض أميني يساعد على تفتيت الدهون، وبذلك يساعد على منع تراكم الدهون
بالكبد والشرايين وحماية الكبد من حدوث الكبد الدهنى Fatty Liver المصاحب عادة
لإدمان الخمور، وهو مضاد قوى للأكسدة تزداد الحاجة إليه كلما إزدادت مستويات المواد
السامة في الجسم. ويمكن أن يتحول الميثيونين داخل الجسم إلى الجلوتاثيون وبذلك فإن
الميثيونين يحمى الجلوتاثيون من أن يفقد من الجسم إذا زادت كمية السموم به. ونظراً
لأن الجلوتاثيون يعتبر مضاد أساسى للسموم فى الكبد، فإن هذه العملية تحمي الكبد من
الآثار المدمرة للمركبات السامة.ومن المصادر الغذائية الغنية بالميثيونين: اللحم،
السمك، البيض، العدس، الفاصوليا، الثوم، البصل، الزبادى.
9. الحمض الأمينى التيروسين يعمل كمنشط للمزاج، وتستخدم صورته الدوائية في تخفيف
التوتر، وله تأثير جيد عند التوقف عن الكوكايين ويتوفر فى منتجات الألبان، الموز،
الفاصوليا.
ثالثاً: الكربوهيدرات :
1. الاهتمام باحتواء الوجبة على الكربوهيدرات المعقدة المتمثلة فى الخضروات
والفاكهة والبقول والخبز الكامل والشوفان حيث أنها غنية بالحمض الأميني التربتوفان
الصانع الرئيسي للناقل العصبي السيروتونين فى المخ، والذي يؤدي نقصه إلى ظهور حالات
الاكتئاب كما ذكرنا سابقاً.
2. نراعي الإقلال من تقديم الكربوهيدرات البسيطة في الوجبة مثل السكريات للأسباب
الآتية :-
1- يتم احتراق السكريات البسيطة داخل الجسم بسرعة، وسرعان ماتزول الطاقة الناتجة عن
الإحتراق ويليها الإجهاد وأعراض الاكتئاب.
2- توجد نظرية تابعة لمنظمة الأغذية والزراعة تربط بين أعراض ومضاعفات الفصام وبين
تناول غذاء غنى بالسكريات البسيطة والنقية.
3- لوحظ أن كل أنواع السكريات الصريحة والأطعمة المصنعة عالية السعرات الحرارية تعد
مصدرا سريعا للطاقة، ولكن يتبع ذلك إحساس بشدة التوق إلى العقار بين مدمنى المخدرات.
4- وجد أن مدمني الخمر عادة ما يعانون الأعراض المتعلقة بمرض السكر لذلك يراعى أن
تكون نسبة الكربوهيدرات المعقدة فى الوجبة كبيرة عن السكريات البسيطة بنسبة لاتقل
عن 65 : 35 % على التوالى كما أن الكربوهيدرات المعقدة تقلل من إمتصاص الدهون فى
الدم وتراكمه داخل الكبد مسببة تدهن الكبد.
رابعاً: الدهون والأحماض الدهنية:
1. تم استخدام نظام غذائي فعال وناجح فى علاج نوبات الصرع Epilepsy (خاصة عند
الأطفال) يسمى الغذاء الكيتونى Ketogenic Diet، وهو نظام غذائي مصمم لإحداث حالة
الحماض الكيتونى Ketoacidosis فــى جســـــــــم المريض، وذلك بحصول المريض على
نظام غذائى غني بالدهون وفقير جداً في الكربوهيدرات والبروتينات، مما يجبر الجسم
على استخدام الدهون بدلاً من الكربوهيدرات كمصدر للطاقة حيث ينتج عن حرق الدهون
نواتج ثانوية تسمى الكيتونات مما يسبب زيادة تركيز الكيتونات فى الدم، ولقد لوحظ أن
هذه العملية تسيطر على نوبات الصرع بالرغم من أن طريقة حدوث ذلك غير معروفة. ولقد
استفاد غالبية الأطفال من هذا النظام الغذائى وأمكنهم التوقف عن تناول الدواء أو
تقليل الجرعات. ويجب أن ننوه إلى أن اتباع هذا البرنامج ينبغى أن يكون بدقة حذر
شديد، وتحت اشراف متخصص أو خبير.
2. مراعاة أن تحتوى الوجبة المقدمة لمرضى الحالات النفسية على كميات كافية من
الدهون غير المشبعة حيث أن ذلك يقلل من تطور الاكتئاب ومن أهم المصادر الغذائية
للدهون غير المشبعة (عديدة عدم التشبع) زيت الذرة، زيت دوار الشمس، زيت العصفر.
3. يراعى الإقلال قدر الإمكان أو تجنب الأطعمة الغنية بالدهون المشبعة والأطعمة
المقلية كالهامبرجر ومنتجات كنتاكى والمقليات الفرنسية حيث انها تسبب الكسل وبطء
التفكير والاجهاد وعند ارتفاع نسبة الدهون المشبعة فى الدم فإن ذلك يتعارض مع تدفق
الدم بسهولة حيث تصبح خلايا الدم لزجة مما يؤدى إلى ضعف الدورة الدموية خاصة فى
المخ.
4. يعتبر زيت الزيتون وزيت جوز الهند من أفضل الزيوت التى يمكن تقديمها لمرضى الصرع
نظراً لسرعة امتصاصها من الأمعاء وقيمتها الغذائية العالية.ويتم اضافة هذه الزيوت
على (الفول، شكشوكة،عجه، عدس) المقدمة خلال وجبه الافطار أو على الساندويتش المقدم
بين الافطار والغداء، أو على السلطة المقدمة فى الغداء أو العشاء أو على الخضار
المطهي والجريش المقدم فى الغداء أو العشاء.
5. من المعروف أن زيت الذرة، زيت الزيتون، زيت بذرة القطن، زيت النخيل من أغنى
المصادر بفيتامين هـ الذى يعمل كمضاد للأكسدة يقضي على الشقوق الحرة التى تسبب
مزيداً من التليف والضمور لخلايا المخ لدى مرضى الزهايمر Al-Zheimer.
6. بالنسبة لمرضى ألزهايمر أيضا فقد لوحظ أن المرض قد ينتج عن تصلب شرايين المخ،
والذى يؤدى إلى قطع الامداد الدموى تدريجيا عن المخ. لذلك يراعي الإقلال من الدهون
فى طعام المريض، وخاصة الدهون الحيوانية وإستبدالها بالزيوت نظرا لخلوها من
الكوليستيرول واحتوائها على أحماض دهنية غير مشبعة.
7. نسمح باستخدام المارجرين فى الطهى ( خاصة إذا كان مدعم بالفيتامينات والمعادن )
مالم يكن المريض يعانى من أمراض القلب أو تصلب الشرايين.
8. بالنسبة لمدمنى الكحوليات، يراعى الطهي باستخدام الزيوت النباتية بدلا من الدهون
الحيوانية تجنبا لارتفاع مستوى الكوليستيرول والأحماض الدهنية المشبعة فى الدم
والتي تحدث عادة بين مدمني الكحول نتيجة حدوث الكبد الدهنى، فضلا عن أن الزيوت
النباتية تحتوي على الأحماض الدهنية الأساسية اللازمة لخفض الكوليستيرول
والجلسريدات الثلاثية في بلازما الدم، ويطلق على الأحماض الدهنية الأساسية فيتامين
F (ف) نظراً لأنها ضرورية ولازمة للأداء الوظيفى للمخ.
9. بالنسبة لمدمني المخدرات، نفضل أن تحتوي الألبان ومنتجاتها على كميات معقولة من
الدهون، أي تقديم ألبان متوسطة الدسم أو كاملة الدسم، لأن دهون اللبن تحتوي على
مكونات مفيدة ومضادات للأكسدة مثل الكاروتين والجلوتاثيون والتي تلعب دوراً هاما في
حماية خلايا الكبد من الآثار السامة للمخدرات والعقاقير.
10. لوحظ وجود مادة في زيت جنين القمح تسمى «أكتوكوزانول» لها تأثير مفيد على أغشية
الأعصاب، كما أنها تساعد على خفض جرعة الدواء المطلوبة لمرضى باركنسون (الشلل
الرعاش) Parkinson's Disease، لذلك نقوم بتقديم منتجات القمح الكامل في هذه الحالة.
سائلين المولى عز وجل أن يوفقنا لبذل المزيد من الجهد لما فيه خير ومصلحة المريض
مع تحيات إدارة التغذية بالمجمع.
|