آباء متخلون عن أبنائهم

 

تتجلى مسؤولية الآباء والأمهات تجاه أبنائهم من خلال تربيتهم على العلم والإيمان والتقى وأطرهم على صراط الله المستقيم، وأن يسلك بهم في فجاج الخير لينهلوا من منابع النور والمعرفة فيشبوا أقوياء العقيدة أمناء على مصالح الأمة، هنا فقط تقر بهم أعين والديهم، فمن ذا يفرط في جميل العاقبة حين يرى أولاده أتقياء لله بررة به يحملون عنه أوصاب الحياة وكدرها ويحيطونه بسياج الرعاية والرحمة؛ وتلكم هي ثمرة حسن التربية المنبثقة من هدي كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

هذا هو الأنموذج الأمثل لآباء المسؤولية، آباء الصدق والأمانة قادهم إتباعهم النير لأسس التربية الإسلامية إلى أسمى المراتب، فحازوا السبق في ذلك، وكم يسر المسلم حين يرى هذه النماذج الخيرة في مجتمعنا ولله الحمد والمنة ولكن على النقيض من ذلك الآباء المختلون رفعوا أيديهم وسلموا العنان لمضلات الأهواء والفتن لتقود أبنائهم إلى الرزايا والآثام، تركوا أبنائهم على المعاصي، بل منهم من أعانهم عليها، بل قدموا لهم المال وسهلوا سبل الحرام، فشب الأبناء على سيء القول وقبيح العمل.
ضرب هؤلاء الآباء بالإيمان صفحاً عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"
ولا ريب أن المحصلة بائسة المصير، سفلى العاقبة حيث يغادر البر والوصل ويحل العقوق والقطيعة، فحين يضعف داعي الإيمان يتأصل الجفاء ويتعاظم العصيان فيذوق الآباء نقيض رغبتهم بما جنت أيديهم..
في هذا التحقيق قضايا مهمة عن نماذج من التخلي المحزن..

لم الشتات

"بعد تفريط دام 18 عاماً، كان جل الهم منصب على الدنيا وجمع المال وتوفير أساسيات الحياة لأبنائي" كانت هذه أول فقرات الأب المكلوم الذي انفرط العقد من يده فندم أشد الندم، فالحسرة متعاظمة، إذ ليست القضية فقط مال أو منصب ولكن أبناءه يضيعون من بين يديه، لقد زاد تسلطهم إلى درجة غريبة وصلت إلى التمرد ووصلت أيضاً إلى التهاون في عبادة الله حتى استثقلوا أمر الصلاة فلا تؤدى في المسجد مطلقاً وإنما يقولون إنهم يصلون في البيت والله أعلم بحالهم.
ومع أن هذا الأب كان حريصاً على أبنائه في الآونة الأخيرة إلا من اشتد عودهم نفذوا عن جدار السيطرة إلى عالم خاص بهم، فجلساتهم خاصة ومختصرة عليهم، وأصدقائهم من واد آخر لا يحملون من آمال الأب شيئاً حتى في الإجازات فلهم أماكن خاصة يقضون فيها أوقاتهم، وهي بالطبع لمثل هؤلاء خارج البلاد دون أن يشعروا بمن يراقبهم أن يفرض عليهم سيطرته، هكذا يعدونها، فالتوجيه بالنسبة لهم سيطرة وتدخل في الحريات الشخصية، أما الأب فلا يزال لديه أبناء صغار وهاهو الآن يلتقط ما يمكن التقاطه ويحسن تربيتهم ويسترشد بأهل الرأي والصلاح قبل أن يضيع كل شيء.

الولد نعمة عظيمة يبحث عنها

فيما بين فضيلة الشيخ محمد عبدالله العيدي مدير عام الإدارة العامة للتوعية والتوجيه بالرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن هذا الموضوع من الأهمية بمكان، لأنه يخص فئة كبيرة في المجتمع يقوم عليه عماد المجتمع بعد توفيق الله، فالأبناء هم جيل المستقبل وبناته وهم خدام الإسلام والمسلمين إذا خرجوا صالحين بتوفيق الله.
وقبل الدخول في الموضوع سوف أقف وقفة حول نعمة الولد على المسلم في هذه الحياة.
إن الذرية نعمة من نعم الله على بني آدم بينها الله في كتابه، حيث قال سبحانه: ( لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور * أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير )
[الشورى]، وقال عليه الصلاة والسلام مبيناً فضل الذرية: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".. صحيح مسلم، كتاب الوصية.
ولذا لجأ أنبياء الله الذين لم يرزقوا بذرية بالدعاء والإلحاح على الله بأن يهب لهم ذرية صالحة، فهذا زكريا عليه السلام ينادي ربه كما قال تعالى: ( و زكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيى ... )
[الأنبياء: 89 - 90]
.

الوقاية من النار

ولقد نادى الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بالقيام بالمسؤولية تجاه الأهل من الأبناء والبنات والزوجات فقال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد ) [التحريم : 6].
ولكي نعلم أهمية الموضوع تجاه الآباء نذكر هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية الأبناء وتوصية صحابته - رضوان الله عليهم - بذلك والعناية بالأولاد.

الخطأ المشترك

ويشير د. محمد العيدي قائلاً : في هذا العصر يتذمر الآباء من الأبناء فيا ترى ما هو الخلل في هذا الأمر، هل هو من الأبناء؟ أم من الآباء وفي رأيي أن الموضوع مشترك بين الآباء والأبناء إلا أني سأركز على موضوع التحقيق وهو تفريط الآباء بأداء دور مهم . فقد يقع بعض الآباء في أخطاء تعيق تربيتهم لأبنائهم اذكرها باختصار شديد لأن كل واحد منها يحتاج إلى مقال، بل كتاب مستقل أحياناً:


  1. إهمال المسئولية، وعدم استحضار المحاسبة أمام الله وإهمال الأمانة العظيمة الذي تحملها الآباء تجاه الأبناء. وقد قال تعالى في كتابه: ( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون )
    [الأنفال].

  2. الاتكالية على الآخرين، فبعض الآباء يعتمد في تربية أبنائه على المربين أو المدرسين أو الموجهين في حلقات القرآن، وهذا حسن، ولكن لا بد في كل ما ينبغي عليه متابعته.

  3. عدم التشجيع والتكريم، يقع بعض الآباء في هذا الأمر من حيث لا يعلم، حيث يعتقد أن الابن لا يتأثر في تقدير الأب وتشجيعه له، وهذا خطأ، بل إن الابن يتأثر بالكلمة الطيبة وتقديم شهادة الشكر أو الجائزة أشد التأثير وتكون في ذهنه حتى بعد كبر سنة ويذكر بها أولاده بعد تزويجه ورزقه بالذرية الصالحة.

  4. القسوة في التربية ولها أثرها السلبي في تربية الأولاد من الأبناء والبنات. وعلى الأب أن يكون شفيقا رحيما بأولاده وينهل من هدي كتاب الله وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. فقد قال تعالى لنبيه: ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) [آل عمرآن: 159].

  5. سوء التعامل مع البالغين من الأولاد، فبعض الآباء والأمهات يتعاملون مع الولد الذي يبلغ العشرين وكأنه ابن العاشرة أو السابعة مما يكون له أثر سيء على تربيتهم.

  6. عدم اختيار القرين الصالح أو السؤال عن الصديق رفيق الدرب لأولاده، وهذا ما حذر منه عليه الصلاة والسلام وبين خطورة قرين السوء، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك أو تبتاع منه أو تجد عنده ريحاً منتنة".

  7. التوبيخ أمام الآخرين. ولهذا الأمر الأثر السيئ على بعض الأبناء فينقلب الحب من الابن إلى البغض والكراهية لوالده أو والدته فليحذر الوالدان من هذا الأسلوب الذي يفسد ولا يصلح.

  8. منعهم من الترفيه وفق الضوابط الشرعية، فلا رحلات داخلية ولا زيارات ولا مشاركة في برامج المراكز الصيفية، ولا نشك أن هذا الأمر قد يؤثر سلبياً على الأولاد.

  9. كتم قدراتهم وطموحاتهم. والتنقص منها مما يسبب لهم الإحباط في حياتهم.

  10. عدم تحقيق رغباتهم في مواصلة الدراسة حسب ما يريدون ويرغبون.

  11. عدم تربيتهم على الصناعة والتجارة خصوصاً إذا كان الابن ليس له ميول للدراسة.

  12. كثرة الأسفار والغياب عنهم طويلاً دون مبرر شرعي.

بحر القنوات من أسباب الانحراف

ويضيف فضيلة الشيخ أحمد بن عبد الكريم الخضير الداعية بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد: في هذه العصور والأزمان المتأخرة بدأت تزداد مشكلة التعامل مع الأبناء والبنات وتربيتهم ولعل من أكبر الأسباب انتشار هذا الزخم الإعلامي الهائل والكبير الذي يسير بالناس صغاراً وكانوا أو كباراً غلى أمور أقل ما يقال عنها إنها ضرر خطير على المستويين الديني والدنيوي. فتجد الأب قد يوجه أبناءه إلى الفضائل ويدعوهم إلى كل ما هو من المعروف ويحذرهم من المنكرات، لكن في المقابل تجد هذه القنوات الإعلامية مرئيها ومسموعها ومقروءها تجدها تصب في الاتجاه المعاكس، فهي تدعو إلى الرذيلة وتبعد الناس عن الفضيلة، هذا قد ينتج لنا مسخاً من البشر مهزوزي الشخصيات قد لا يفرقون بين الصواب والخطأ، وبين النافع والضار، بل قد لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً.
لكن لا بد للآباء والأمهات والمربين والمربيات أن يحتاطوا لهذه الأمانة التي قلدوا إياها "فما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" ... ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والمرأة رعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها" فلا بد لكل أن يتحمل أمانة التربية والتوجيه والنصح، وأن يتقي الله عزوجل في هذه الأمانة، وأن يستشعروا أن الله سبحانه وتعالى سوف يسأله عنهم ويقررهم بكل ما عملوه تجاه هذه الأمانة العظيمة.
ثم إنه لا بد أن يضع المربي نصب عينيه تلك الأجور العظيمة التي سيكتبها الله سبحانه وتعالى له عندما يقوم بالمسئولة وينصح ويرشد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقدم التوجيه لكل فرد من أفراد أسرته، مع العلم بأنه إذا صلح الابن أو البنت فإن ما من عمل صالح يعمله إلا وللمربي مثل أجره، لأنه إنما كانت هذه الأعمال بسبب تربيته وفضل الله واسع.
وقد يتعلل بعض الآباء بأنه لم يأل جهداً في التوجيه والنصح والإرشاد إلا أنه ظل توجه الأبناء غير سليم، لكن لو تأملت حاله لوجدته قد جلب لهم في البيت ما يهدم ما قد بناه خلال أعوام يهدمه في أيام، أو قد يكون قد اتخذ أساليب خاطئة في التربية والتوجيه، لكن لابد من العلم أن من صدق النية واجتهد في التربية وحاول جهده واستشار، وقبل ذلك استعان بالله تعالى، وبين هذا وذاك دعوات صادقة في أماكن وأوقات الإجابة، كل هذا مما يسهل المهمة ويزيد في المهمة، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً.

الآباء بين حضور الأبوة وغياب المسئولية

يوضح سعادة د. صالح بن عبدالعزيز النصار عضو هيئة التدريس كلية التربية جامعة الملك سعود قائلاً: هاتفني شخص أعرفه يرغب استشارتي فيما يناسب ابنه من التعليم الجامعي، فسألته: ما هو تخصص ابنك؟ فقال بعد تفكير: "أظنه علمي". وقلت له وما هي النسبة التي حصل عليها في تخرجه من الثانوية. فقال متردداً: 86% فلما أدركت أن معلومات الأب عن ابنه غير دقيقة طلبت من الابن أن يكلمني، فإذا به متخرج من القسم الأدبي  وليس العلمي، ونسبة تخرجه أقل من ذلك بكثير، إن هذا الموقف يضرب مثلاً على غياب بعض الآباء عن واقع أبنائهم، يحصل هذا في عصر أحوج ما يكون الأب إلى أن يكون قريبا من ابنه، وأحوج ما يكون الابن قريباً من أبيه يستنير بتوجيهاته، ويستفيد من تربيته، ويستعين به بعد الله في حل مشكلاته.
إن كثيراً من المهتمين بالتربية وعلم الاجتماع يرصدون بأسف الخلل في العلاقة بين بعض الآباء والأبناء في هذا العصر، وإن لهذا الخلل في العلاقة بين الآباء والأبناء مظاهر يلحظها كل من له أدنى علم أو وعي بدور الأب والأم المتمثل ليس في توفير المستلزمات الدنيوية أو المادية فحسب، بل في التربية والتنشئة و(كلكم راع ومسئول عن رعيته)، فمن مظاهر الخلل في العلاقة بين الآباء والأبناء:

  • الغفلة أو التقصير في متابعة نشاط الابن الاجتماعي داخل المنزل أو خارجه، مع من يذهب، مع من يسافر، ومن هم أصحابه، أين وكيف يقضي وقته، وهكذا.

  • الغفلة أو التقصير في متابعة سير الابن الدراسي.

أسباب التخلي

ويستطرد د. النصار ذاكراً إن غياب دور الأب عن عالم ابنه الذي هو نتيجة طبيعية للخل في العلاقة بينهما يعود إلى أسباب عدة منها:

  1. وقوع الأب في معصية أو أنواع من المعاصي تجعله يشعر بالخجل في مصاحبة ابنه أو يعيش في عالمهن فيحاول العزلة بمعصيته أو التهرب من المسئولية الملقاة على عاتقه.

  2. ضعف شخصية الأب، أو عدم قدرته على إدارة البيت، أو مواجهة المشكلات الأسرية الطارئة.

  3. عدم استشعار المسئولية، وهي إما صفة دائمة في الأب وغالبة على تصرفاته، أو ناتجة عن قلة الوعي بالدور المهم للأب كمربي ومعلم وموجه.

  4. الثقة المفرطة أو العمياء بالابن، أو محاولة إلباسه لباس الرجولة والمسئولية التي لا يحتاج معها إلى والده أو إلى توجيهاته.

  5. ضعف الوعي التربوي.

  6. عدم إدراك الأخطار المحيطة بالشباب وعظم تأثيرها.

  7. الغفلة عن الهجمة الإعلامية الشرسة على الشباب.

  8. الانشغال بطلب الرزق عن متابعة الابن.

  9. الاعتماد على رعاية الأم، أو إلقاء المسئولية عليها، والأم وإن كان لها دور مهم في هذا الجانب، إلا أنها عادة ما تغلب عليها العاطفة وحب ابنها عن متابعته المتابعة الجادة أو الحازمة، بل ربما أخفت كثيراً من تصرفات ابنها المشينة عن الأب خشية العقاب أو نحوه.

هذه بعض الأسباب التي أظن أن كثيراً من الآباء الغائبين يتصفون بها أو ببعضها، وهي وإن كانت عظيمة في حق الآباء، إلا أن تأثيرها على الأبناء أكبر، كما أن تأثيرها على المجتمع أعظم.
إن مسئولية الأب تجاه تربية أبنائه كبيرة، وإنه إن كان حصل ضعف أو خلل أو غياب لهذه المسئولية، فإن العواقب ستكون وخيمة، والنتائج ستكون مؤلمة لا قد الله، ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على واقع كثير من الأبناء المتمثل في إهدار الأوقات، الانجراف وراء أنواع الملهيات، الوقوع في المخدرات والمسكرات، لنقول للأب: إن غيابك عن عالم ابنك، قد يعقبه غياب ابنك عن عالمك وحينئذ قد تبحث عنه فلا تجده إلا فيما يغضب الله، أو قد تجده في مصحة، أو سجن لا قدر الله أو .. قد تبحث عنه فلا تجده.

المطعم العالمي

يحكي أحد أولياء الأمور تجربته الفريدة بكل فخر، حيث يقول: نجتمع سوياً في صالة المنزل بانتظام قبل طعام الغداء فقط في وقت لا يجد كثير من الأسر وقتاً لمثل هذا الاجتماع لأنه يقول: وبكل فخر أن جميع أفراد العائلة يمتلك كل واحد منهم جهاز حاسب محمول (لاب توب) والكل في هذا الوقت متصل بالانترنت وأن الثقافة تخيم على هذا الجو الأسري المترابط جداً حتى أنهم لا يكلم بعضهم البعض، والغريب أنه يقول: إن البنات يبحثن في الانترنت عن الجديد في عالم الطبخ قد يقصد أن المنزل سيتحول إلى مطعم عالمي، أما بعد الغداء فيتفرق الجميع إلى حجراتهم وكل معه محموله !!

فن فك الشفرات

استطاع أحد الآباء أن يكسر حدة وشغف أبناءه وبناته وتطلعاتهم إلى القنوات الضارة بهم عن طريق إحضار جهاز الدش وقصره على الملحق الخارجي للمنزل فقط ولا يمكن لهم مشاهدته إلا بوجوده، فالمحلق مغلق ومفتاحه معه، زد على ذلك فالقنوات الإباحية التي يسمح لنفسه التلذذ بها جميعها مشفرة كما يقول، زيادة في الاحتياط وحماية لأبنائه من شرها الفتاك، وكأنه لا حرج عليه في اقتراف ما حرم الله، عاد يوماً في هجيع الليل ليجد كبرى بناته في الملحق المغلق ومعها جهاز الريموت تتنقل بين أقذار القنوات وفكت الشفرة المغلقة بإحكام  إغلاق الملحق ولكنها لم تستعص على أحلام مراهق يرى آمره ناهيه غارقاً في بحر من الشهوات وقد كان مذهولاً ذلك الأب في إصلاح ما فسد.

الفريق الثلاثي

من لهيب الصيف قرر هو وأسرته المكونة من (5) بنات وولد أن يغادر هذه البلاد، وهو كما يقول ويردد دائماً إنه من هواة ضرب عصفورين بحجر ربما لكثرة العصافير وقلة الأحجار كما يقال! إذ إن العمل وهاجس التجارة هو الذي دعاه للسفر البعيد إضافة إلى رحلة الاستجمام المزعومة هو والبنات، بدأت أحداث وقائع انتهاك ما حرم الله من مقاعد الطائرة، حيث بدأت الأنامل المزركشة تداعب خصلات شعورهن بعد نزع الحجاب الذي يسمونه حجاباً وكان يوضع زيفاً وعرفاً اجتماعياً، والآن لا داعي له فعلى متن الحرية وإلى بلد الحرية اختفت عين الرقيب من البشر وما أن التقطوا أنفاسهم بعد ما يقارب عشر ساعات من السير المتواصل انقسم الفريق إلى ثلاثة أقسام، الأولاد برنامج خاص من الترويح لا يناسب البنات مع أمهن اللواتي فضلن الانفصال في تسوق وملاه لا تناسب الأولاد والأب اجتماعات متواصلة مع رجال الأعمال واستمرت أحداث الضياع شهراً كاملاً لا يعرف أحد عن برنامج الآخر، فالكل حر بتصرفاته في بلاد الحرية، وبعد هذه أحداث قصة واقعية وتتكرر مع الأسف من آباء متخلون أوكلوا زمام القيادة للشيطان وتمتعوا بالمعصيات.

 

نشر في مجلة الدعوة العدد(2021) 6 ذو القعدة 1426ه